جاد حداد

The English Game... دراما ممتازة عن أصل كرة القدم

11 شباط 2024

02 : 00

تزامن عرض مسلسل The English Game (اللعبة الإنكليزية) على شبكة «نتفلكس» مع عمل درامي آخر بعنوان Belgravia للكاتب نفسه: جوليان فيلوز. لكن تبدو الحلقة الأولى من المسلسل الأول أكثر متعة وجاذبية. في هذه القصة، تكثر مظاهر الحقبات القديمة والأحاديث في غرفة الرسم، وتتّسم مشاهد كرة القدم بطابع منعش ومؤثر.

قد يكون فيلوز أول من يعترف بأنه ليس خبيراً بعالم كرة القدم، حتى أنه قال سابقاً إنّ ابنه كان يصطحبه لمشاهدة مباريات فريق «مانشستر يونايتد» ضد «إيست هام» أو «ويست هام»، لكن لا داعي ليكون الكاتب خبيراً بهذه اللعبة ليقدّم فيلماً من هذا النوع. قد تتمحور القصة بدرجة معينة حول نشوء كرة القدم المعاصرة، لكنها تتعلق فعلياً بالطبقات الاجتماعية ويزعم فيلوز أنه متخصّص بهذا الموضوع لأقصى حدّ.

حين تبدأ الأحداث الدرامية في هذا المسلسل، توحي الأجواء بأن كرة القدم تحمل قواسم مشتركة كثيرة مع لعبة الرغبي. ثم يظهر الاسكتلندي «فيرغس سوتر» بعدما يدفع له صاحب مطحنة في بلدة «داروين»، «لانكشاير»، المال للانضمام إلى فريقه و»إسقاط خصومه عن عروشهم». تتكلم الشخصيات المنتمية إلى الطبقة العاملة بهذا الأسلوب بشكل عام، بينما يتفوّه المسؤولون في «اتحاد كرة القدم الإيتوني القديم» بعبارات مثل: «هذه اللعبة مخصّصة للهواة والسادة المحترمين».

لا يُعتبر المسلسل سلساً، لكن لا تعطي السلاسة الأثر المطلوب في هذا النوع من الأعمال الدرامية القديمة أصلاً. لا يهدر فيلوز الوقت للتعريف بالأبطال والشخصيات الشريرة (يتميّز الأشرار بشوارب معقوفة هذه المرة)، بل يسلّط الضوء على بطلَي القصة مباشرةً. يجسّد الممثل كيفن غوثري دور «سوتر» الفوضوي الذي يقف في وجه «آرثر كينيرد» العظيم (إدوارد هولكروفت) الذي كان من أهمّ نجوم كرة القدم في تلك الفترة. لا يمكن التأكيد على احتشاد الصحافيين أمام باب كينيرد الحقيقي في تلك الحقبة وملاحقة الناس له لنيل توقيعه، لكن قد تكون هذه المشاهد من أبسط الطرق للتعبير عن مكانته البارزة.

وفق السجلات التاريخية، أصبح «سوتر» أول لاعب كرة قدم محترف يتمّ الاعتراف به في عصره. هل قام وحده بتغيير معالم هذه اللعبة الإنكليزية عبر استيراد أساليبه الاسكتلندية الثورية في مجال تمرير الكرة، واختيار تشكيلة «هرمية»، وبدء الهجوم ضد الفريق المنافِس فجأةً بعد الاكتفاء بالدفاع لفترة طويلة؟ من الواضح أن السيناريو يريد إقناعنا بدوره في هذه الإنجازات. تتعدّد المؤشرات الممتعة التي تشدّد على الفرق بين كرة القدم في تلك الفترة وشكل اللعبة في هذا الزمن. يتكلم مسؤول في الاتحاد القديم عن «سوتر» وزميله الاسكتلندي «جيمي لاف» (جيمس هاركنيس) قائلاً: «من الواضح أنهما يتلقّيان الأموال». فيجيبه رفيقه بتعجّب: «هل يدفعون المال للعب كرة القدم»؟! لكن يكفي أن نشاهد نهاية هذه الأحداث كلها للتأكد من دوره في هذه اللعبة.

كان لافتاً أن يلعب الطلاب السابقون في المدارس الرسمية بطريقة قذرة، بينما يختار عمّال المطاحن أسلوباً أنيقاً عند لعب المباريات. تبدو معظم الشخصيات الأنيقة مشابهة للأشرار في الرسوم المتحرّكة، لكن تتعدّد المؤشرات التي تثبت أن «كينيرد» رجل شريف. حتى أنه يصغي إلى زوجته حين تخبره بخيبة أملها بسبب تصرّفاته. إنها صفة مفاجئة بالنسبة إلى شخصيات الرجال في سبعينات القرن التاسع عشر. لكن قد يزيد انبهارنا بشخصيته في مشهد يتذمر فيه «كينيرد» الحزين لأن والده أمضى وقتاً مفرطاً في العمل ولم يلعب معه في صغره. مع تقدّم الأحداث على مرّ الحلقات الست، سيبدأ برؤية مظاهر الظلم في عالمٍ ينقسم بين الأغنياء والفقراء.

تبدو هذه العناصر كلها أفخم من أن تناسب عملاً يتكل على ميزانية «نتفلكس»، إذ تُستعمل بلدة «يوكشاير» في منطقة «سالتير» لتصوير الأحداث التي يُفترض أن تدور في «داروين» (يستطيع أدق المشاهدين أن يتعرفوا على الموقع الذي صُوّر فيه مسلسل اقتبسته قناة «بي بي سي» من رواية The ABC Murders (جرائم الأبجدية)). يحصل طاقم الممثلين على دعم كبير من كريغ باركنسون بدور رئيس المطحنة «جيمس والش» الذي يتميز بشخصية شجاعة ويقدّم حوارات توضيحية لافتة، فيقول مثلاً: «لعبة التمريرات هي مستقبل كرة القدم»! كذلك، يبرز دور جيمس هاركنس المعروف بأدائه الممتاز في جميع أدواره، وهو يقدّم هذه المرة شخصية رجل من بلد «سوتر». قد تبدو العناصر المرتبطة بكرة القدم رجولية بدرجة مفرطة ويكثر الرجال الملتحون على الشاشة طوال مدة العرض، لكن يعيش بطلا القصة الاسكتلنديان الحب أيضاً، وتثبت زوجة «كينيرد» أنها من الشخصيات النسائية القويات اللواتي يستطيع فيلوز الاتكال عليهنّ لتغيير أجواء العمل.

أخيراً، يذكر المسلسل أسماء توني تشارلز، وأوليفر كوتون، وبن فانستين، كجزءٍ من فريق الكتابة، لكن لن نعرف مطلقاً كيفية تقسيم العمل بينهم. مع ذلك، حرصت شبكة «نتفلكس» على ترويج المسلسل وكأنه من صنع جوليان فيلوز وحده. قد تطغى المماطلة على الحلقات الأخيرة كونها تُركّز على المشاكل العالقة في المطحنة، إذ يبدأ العمّال هناك إضراباً للاحتجاج على تخفيض رواتبهم. لكن حالما تنتقل الأحداث مجدداً إلى ملعب كرة القدم وتشدّد على المسار الذي سلكته بلدة «داروين» لتحقيق المجد، لا مفرّ من الشعور بالانتصار الذي عاشته الشخصيات في تلك الحقبة.