ريتا ابراهيم فريد

نبيذ "أبو حنا" اللبناني نحو العالمية

نقولا أبو حنا: الجائزة دافعٌ أكبر للصمود

12 شباط 2024

02 : 01

نقولا وجو أبو حنا مع مدير عام وزارة الزراعة لويس لحود

رغم كل الظروف السوداوية التي تحيط بهم، لم يتوقّف اللبنانيون يوماً عن التميّز والإبداع، الأمر الذي يعكس إصرارهم على التمسّك بالأمل. وفي هذا الإطار، فاز النبيذ اللبناني الزحلي «أبو حنا» بالميدالية الذهبية المزدوجة بتفوّق كبير على كل المشاركين العالميين في فرنسا بالجودة والإنتاج الطبيعي الصحي الخالي من المواد المصنعة. «نداء الوطن» تواصلت مع نقولا أبو حنا صاحب ومشغّل خمارة «أبو حنا»، الذي تحدّث عن ظروف المشاركة في المسابقة وعن أهمية دور الشباب اللبناني في التوجّه نحو اقتصاد منتج.



لا شكّ في أنّ فوز منتج لبناني بجائزة عالمية في هذه الظروف بالذات قد أدخل الفرح الى قلوب الكثير من اللبنانيين، وقلوب أبناء زحلة تحديداً. ماذا يعني لك ذلك؟

هناك دوماً بصيص نورٍ في آخر النفق المظلم، ومن هُنا ينبثق إيماننا. نحن نعمل في خمّارتنا انطلاقاً من هذا المبدأ، ونحاول قدر الإمكان تقديم منتج ذي مواصفات عالية، كي يختبر المتذوّقون من خلاله أهمية النبيذ اللبناني ويستمتعون به. فيشكّل ذلك الفرح أملاً صغيراً وسط الأزمة الإقتصادية التي نعيش فيها والتحدّيات التي نواجهها منذ العام 2019 الى اليوم. وعلى صعيد شخصي، رغم كلّ الصعوبات التي مررنا بها، أتت هذه الجائزة كمكافأة من فرنسا على جهدنا، وأعطتنا دافعاً إضافياً وتحدّياً من نوعٍ آخر يدفع بنا الى البقاء والصمود للحفاظ على هذه النوعية الجيدة من منتجاتنا.

بالعودة الى المسابقة في فرنسا، حدّثنا قليلاً عنها وفي أيّ ظروف شاركتم بها؟

في أيلول الماضي دعيت الى الـEcole du vin de CFPPA في بورغون في فرنسا، وهي من أكبر المدارس التي تدرّب على الزراعة والصناعة الغذائية. كنا 16 مشتركاً من دول مختلفة، وتعلّمنا الكثير من الأمور الجديدة. طلبوا من المشاركين أن يحضروا معهم عبوات نبيذ من إنتاجهم. اعتمدت إحدى طرق التذوّق على أن يغلق المتذوّقون أعينهم لمدة 16 دقيقة على عدد العبوات المشاركة. وكانت النتيجة أن احتلّت خمّارة «أبو حنا» المركز الأوّل في الأصناف التي شاركت بها: Chateau Fratelli التي حصلت على الميدالية الذهبية، وعبوة Don Carlos التي نالت ميدالية الـDouble Gold.

نبيذ Don Carlos الذي حصل على جائزة Double Gold هو على اسم الوالد كارلوس رحمه الله. كيف تستحضره اليوم وماذا تقول له؟

أستحضره دوماً من الناحية العاطفية في كلّ زوايا الخمّارة، ولطالما شعرتُ بحضوره خصوصاً أثناء تحضير المنتجات. وبعد ستّ سنوات من الجهد والمثابرة، استحضرناه أيضاً أثناء قطف ثمار هذا العمل على اسمه، وتأكّدنا من تواجده معنا ومباركته لنا. وحين سافرتُ الى فرنسا للمشاركة في المسابقة طلبتُ منه مرافقتي، فالتقيتُ بشابٍ يدعى كارلوس استقبلني لدى وصولي، وشعرتُ أنها إشارة من والدي. كما تلقّيتُ منه إشارة أخرى أيضاً، إذ تسلّمنا الجائزة في التاريخ نفسه الذي يصادف ذكرى وفاته بعد ستّ سنوات. واليوم أقدّم له شكري من صميم القلب، وأعده بالحفاظ على كل القيم والمبادئ التي ربّانا عليها.

خمّارة «أبو حنا» تأسّست في العام 1954 وكافحت للبقاء والإستمرار رغم الحروب والأزمات. كيف تنظر اليوم للمستقبل؟

نحن على أبواب الاحتفال باليوبيل الماسي بعد خمس سنوات. إذاً ستكون مرحلة تحضيرية للتأكيد على أننا كجيل ثالث استلم الخمّارة نجحنا في الحفاظ على هذا التراث. لا سيما أنّ خمارة «أبو حنا» تتميّز بأصالتها من جهة، وبأنّ العمل فيها بات يراعي الناحية الفنية من جهة أخرى. ونسعى لمتابعة العمل باحترافية لناحية المعدات التي نستعملها إضافة الى النوعية والإنتاج. وقد دخلنا ضمن قطاع المعايير الأوروبية للإنتاج من حيث سلامة وجودة المنتج، وتجنّب كل ما يمكن أن يضرّ بعنقود العنب وعدم استعمال أي مواد حافظة أو اصطناعية. لذلك نحاول متابعة مسيرة العام 1954 على أن تكون مرفقة بتطوير في الشقّ الإنتاجي.

الى جانب التهاني والإشادات، كانت هناك زيارات داعمة من وزير الصناعة جورج بوشيكيان والمدير العام لوزارة الزراعة لويس لحود. لأي مدى يضاعف ذلك من شعور بالمسؤولية؟


أودّ أن أشير الى أنّ الدولة مشكورة تدعم هذا القطاع بشخص معالي وزير الصناعة جورج بوشيكيان وهو إبن مدينة زحلة، الذي يولي اهتماماً بالصناعات العائلية الحرفية الصغيرة، مثلما يعطي اهتمامه للشركات الكبرى من مختلف الصناعات. كما أنّ مدير عام وزارة الزراعة الدكتور لويس لحود عمل بجهدٍ أيضاً على تنشيط هذا القطاع ورفع اسم النبيذ اللبناني عالمياً. هذه مسؤولية جديدة ألقيت على عاتقنا لأننا بتنا بنظر الدولة من الخمّارات القليلة التي ما زالت تحافظ على العمل التراثي بالتوازي مع مواكبة التطوّر. أي أننا انتقلنا من الحرفة الى الإحتراف. ومن أجل مواجهة التحديات في لبنان، نحن بحاجة الى إرسال منتجاتنا الى الخارج، لأنّ ذلك يساعدنا على إدخال العملة الصعبة الى لبنان. بالتالي باتت المسؤولية مضاعفة كي نبقى عند حسن ظنّ الجميع.



أثناء زيارة وزير الصناعة جورج بوشيكيان



تحدّثتَ منذ قليل عن البقاء والصمود. كلمة أخيرة منك للشباب اللبناني الذي يكافح اليوم في ظلّ كلّ التحدّيات؟

أنا من الأشخاص الذين عاشوا طفولة بريئة وجميلة في أحياء زحلة. والأمر الذي أحزنني هو وفاة والدي بطريقة مفاجئة. لكنّ ذلك شكّل دافعاً أساسياً للحفاظ على اسمه وتكريمه من خلال العمل بجهدٍ في الخمّارة، رغم أنّ اختصاصاتنا الجامعية أخي وأنا بعيدة كل البعد عن هذا القطاع. لكننا تركناها واتجهنا الى المصلحة الحرة التي تعنى بالشأن الزراعي. من هُنا أقول للشباب: لبنان بحاجة لأن يتحوّل الى بلد منتج، لا أن يبقى مستهلكاً. أدعو كل شاب وصبية الى التفكير بعمل حرّ الى جانب اختصاصهم، حتى لو كان صغيراً. فمن خلاله سوف نخلق سوقاً للخارج وتصريف أعمال لمهاراتنا. المهمّ ألا نفقد الأمل بهذا الوطن وأن نبادر لخلق تغيير ما يليق بالإبداع اللبناني.