مصطفى علوش

إغتيال رفيق الحريري والغزو الفارسي

12 شباط 2024

02 : 00

«وأعد أضلاعي فيهرب من يدي بردى وتتركني ضفاف النيل مبتعدة

وأبحث عن حدود أصابعي فأرى العواصم كلها زبدا»

(محمود درويش)


في مناسبة يوم الرابع عشر من آذار أردت أن أخرج الذكرى من ضوضاء من أتى وذهب ومن زار الضريح وعدد المشاركين ونسج أساطير متضاربة عن المغزى السياسي من كل هذا، مع تفهمي لحاجة الجموع إلى زعيم يشبه الزعماء الآخرين، ولن أدخل في جدل عقيم عن هذا لأنّه يوم رفيق الحريري. المهم، رغم ذلك، هو العودة إلى جوهر المنظومة التي اغتالت رفيق الحريري وعلاقتها بالغزو الفارسي.

كانت فرصة العمر لمشروع ولاية الفقيه في أواخر تسعينات القرن الماضي. الإسلام السني ورموزه وأصوليته على رأس قائمة أعداء العالم الغربي، مما جعل الإسلام الشيعي، المتمثل بولاية الفقيه، في حلف موضوعي مع الغرب. هنا بدأت مرحلة المداعبات السرية، إلى أن أتت الجائزة الكبرى المشتركة لإيران ولإسرائيل بعملية الحادي عشر من أيلول سنة 2001.

تحولت الولايات المتحدة الأميركية إلى وحش يبحث عن ضحية تعيد الاعتبار بانتقام توراتي، ليس فقط ضد «القاعدة»، بل ضد العقيدة التي أنتجت فكرها، أي الإسلام السني بشكل عام. بالنسبة لإسرائيل، كانت فرصة للانقضاض على الفلسطينيين وتأجيل إمكانية التسوية. أمّا لإيران، فقد كانت الفرصة لشيطنة الإسلام السني، وتبييض صورة التشيّع، حتى بالجزء العنيف منه المتمثل بالحرس الثوري، على أساس أنه خطر ثانوي بالمقارنة مع السني!

هنا برز دور رفيق الحريري، فعندما بدأت معالم الهلال الشيعي بالظهور، أصبح الحريري رأس حربة منظومة تحوي كبريات الدول السنية لتهدئة الغرب وكبح اندفاعاته، وإعادة تظهير صورة الإسلام المعتدل وضرورة التفاهم معه وتفهّمه، بدل وضع مليار إنسان في خانة الأعداء. أظن أنّ هذه المهمة بالذات هي التي وضعت رفيق الحريري على خط لائحة الإعدام لكونه نوعاً من المقاومة لمشروع إمبراطورية افتراضية اسمها ولاية الفقيه، فكان قرار إزاحتها بتفجيرها. فعلى مستوى الرأي العام السوري، فقد كان مثلاً لزعامة سنية يمكن الاعتداد بها كبديل لمنظومات التخلف الشمولية.

فشلت كل محاولات منظومة الممانعة لإعدام رفيق الحريري سياسياً بالحرتقات المحلية الركيكة. استوعب هو خطورة منطق التطرف السني وجنوحه نحو العنف الأعمى وكان السبّاق إلى إدانة عملية برجي نيويورك. واستمرت محاولات استهدافه محلياً وسورياً من باب الاقتصاد بإفشال مفاعيل باريس إثنين لعدم إعطاء فرصة النجاح لمشروعه.

أدرك الحريري عندها استحالة إنقاذ لبنان من دون التفلت من القبضة الأمنية السورية. لم يعد بالإمكان الخروج بتسويات تقنع النظام السوري بأن مصلحته تقتضي بأن يدخل في شراكة مع لبنان بدل استتباعه مع بشار الاسد الضعيف الشخصية، والحاقد أصلاً على الحريري. عادت فرصة استهداف الحريري لتلوح في الأفق من قبل مشروع ولاية الفقيه. فمع احتلال العراق، تفاقم رعب بشار من أن يكون دوره آتياً، وأصبح مقتنعاً بأن الحريري جزءٌ من مؤامرة دولية عليه. صدر القرار 1559 مطالباً بانسحاب القوات السورية ونزع السلاح غير الشرعي بكافة أشكاله. هنا وضع رفيق الحريري على رأس قائمة الاتهام على أساس فرضية أنّ صداقات الحريري الدولية ساهمت في إصدار هذا القرار.

في تلك اللحظة بدأ التحضير العملي لعملية الإغتيال، حسب المعطيات التي ظهرت في المحكمة الدولية، وبدأ نشاط شبكة الإتصالات الشهيرة التي أسست لاتهام خمسة من «حزب الله» بتنفيذ العملية.

كل ما حصل بعدها أصبح تفصيلاً، فلقاءات الحريري المكوكية الودية مع حسن نصر الله لم تكن مجدية في إقناع الأخير بحسن نوايا ضيفه، كما أنّ انتقال الحريري إلى صفوف المعارضة والسعي إلى بناء تحالفات مع رافضي الوجود السوري في لبنان زادت في حنق بشار الأسد. لكن قرار الإعدام كان قد سبق كل ذلك بسنوات. سأتجاوز هنا حملات الشتائم التي أطلقها توافه أتباع نظام الأسد في لبنان عشية اغتياله، فهي بالتأكيد كانت مجرد تعبير أحمق عن حقد بشارعلى الحريري. الخطر الحقيقي كان من صمت القبور الذي خيّم على جماعة «الحزب»، باعتبار أنهم أكثر وقاراً من حلفائهم الشتامين.

اغتيل رفيق الحريري، وكان رد الفعل الشعبي المنطقي المبني على تجارب سنوات الإحتلال السوري هو أنّ بشار الأسد هو من أصدر الأمر، وأنّ المنظومة الأمنية التابعة له هي من نفّذت. على الرغم من شكوك عابرة حول عدم إمكانية حصول عملية ضخمة ومعقدة كعملية الرابع عشر من شباط من دون علم أمن «الحزب»، تجاوزت عائلة الرئيس الحريري والقوى التي ساندتها هذه الفرضية، وقررت الذهاب إلى تسويات داخلية كان عنوانها التحالف الرباعي، أملاً في إقناع «الحزب» بفك تحالفه مع نظام الأسد. أظن أنّ تلك الغفلة الناجمة عن ضعف أو كسل كانت يوم السعد للحزب، والأسعد كان يوم خروج القوات السورية عندما تخلص من شريكه المضارب، وأصبحت الفرصة متاحة للتمدد أمنياً وسياسياً على كل مساحة لبنان تحت شعار المقاومة حيناً، وتحت غفلة قوى الرابع عشر من آذار أحياناً.

عندما تحدث ملك الأردن عبد الله الثاني، بعيد دخول الولايات المتحدة إلى العراق، عن هلال شيعي، ظنّ الكثيرون أنه مجرد تصوّر مضخم لأمر بعيد الاحتمال. لكن الوقائع التي تتابعت بعد ذلك دفعت قيادة مشروع ولاية الفقيه إلى رفع رايات النصر وإعلان الهلال الشيعي، وكانت الإشارة واضحة عندما أسقط «الحزب» حكومة سعد الحريري معلناً أنّ أي حكومة ستأتي في لبنان ستكون حتماً تحت عباءة ولاية الفقيه. لم يعد هذا المشروع بعدها محتاجاً لممارسة التقية، فقد صرح المقيمون عليه مراراً بأنهم سيطروا على أربع عواصم عربية بعد أن دفعتهم البهجة إلى التمدد نحو اليمن وتحدي كل المنظومات القائمة.

بعد تسعة عشر سنة على اغتيال رفيق الحريري يأتي ما نراه اليوم في العراق وسوريا ولبنان واليمن وغزة ليؤكد أنّ اغتياله كان محطة أساسية على طريق غزوة الولي الفقيه للدول العربية، الغزو الفارسي المتلبس عباءة التشيع. رفيق الحريري كان الضحية الأولى مواجهة الغزو الفارسي.