وقف ثلاثة جنود من الجيش الإسرائيلي على منبر الكلام داخل المجلس التشريعي الفلسطيني ورفعوا العلم الإسرائيلي. استولى هؤلاء الجنود على المبنى في منتصف تشرين الثاني، بعدما اجتاحوا مدينة غزة وسيطروا على أهم المباني الحكومية فيها تزامناً مع طرد المدنيين في أنحاء المنطقة.
يتعارض هذا المشهد مع ما حصل داخل تلك القاعة قبل 16 سنة، عندما سيطرت حركة «حماس» على المباني الحكومية في غزة، فرفعت بنادقها وأجبرت حركة «فتح» على الانسحاب وفرضت سيطرتها الكاملة على القطاع.
قبل عشر سنوات على حصول ذلك، نظّمت السلطة الفلسطينية أول انتخابات لها لاختيار أعضاء المجلس. برزت بعض القيود طبعاً، لكن أنتجت الانتخابات رغم كل شيء حكومة فاعلة للدولة الفلسطينية الأولية التي كُلّفت بتحسين مستوى المعيشة والتفاوض على اتفاق استقلال دائم مع إسرائيل. كان التفاؤل مبرراً في تلك الظروف.
اليوم، أصبح مبنى المجلس التشريعي مجرّد كومة من الركام. هُدِم المبنى جزئياً بعد وقتٍ قصير على وقوف الجنود الإسرائيليين في داخله لالتقاط الصور.
يرمز تدمير ذلك المبنى أيضاً إلى فرصة لتكرار المحاولة. لكن تحتاج السلطة الفلسطينية (أو أي كيان بديل عنها) إلى تفويض من الشعب الفلسطيني لضمان نجاحها، وهو امتياز لم تحصل عليه منذ أكثر من 15 سنة. إنه هدف بعيد المنال.
يبدو أن تجديد الديموقراطية في فلسطين يطرح مجموعة من المعضلات الشائكة. يتطلب هذا الهدف تشكيل حكومة جديدة وفاعلة، لكن لطالما كانت السياسات المحلية مشحونة لدرجة أن تُصعّب إجراء الانتخابات. لا يمكن أن يحصل أي استحقاق انتخابي من دون «حماس»، الحزب الأكثر شعبية في البلد، لكن لن تتحمّل إسرائيل أي حكومة تضمّ «حماس». وقد تكون البنية الانتخابية سليمة، لكنّ النظام السياسي مفكك على نحو مريع.
يعتبر الائتلاف اليميني المتطرف الذي يحكم إسرائيل، بقيادة الزعيم السياسي القديم بنيامين نتنياهو، المجتمع الفلسطيني المنقسم أفضل بكثير من المجتمع الذي يقوده زعيم ديموقراطي واضح. لكن يتطلب إجراء انتخابات حقيقية مستوى من التعاون والضمانات الأمنية من الحكومة الإسرائيلية ودعماً من المجتمع الدولي.
في ما يخص الولايات المتحدة التي تُعتبر من أبرز الأطراف المرشّحة للعب دور الوساطة، كان يُفترض أن يعلن البلد دعمه لقيام دولة فلسطينية مستقلة منذ فترة طويلة.
قد تبدو معالجة هذه المشكلات مستحيلة في ظل استمرار الحصار الذي يترافق مع موت مئات الفلسطينيين أسبوعياً. لكن سيكون إدراك حقيقة الوضع وإطلاق مسار جدّي لإقامة دولة فلسطينية حقيقية عاملَين أساسيَين لإرساء سلام دائم.
طُرِحت خطة مصرية في كانون الأول لضمان الأمن السياسي والاقتصادي معاً. يقضي هذا الاقتراح بوقف إطلاق النار فوراً، ثم إطلاق سراح الرهائن المحتجزين لدى «حماس». كذلك، يفرض اتفاق السلام على «حماس» أن تتخلى عن السلطة في غزة كي يتم استبدالها بإدارة مؤلفة من مسؤولين تكنوقراط. يُفترض أن تُخطط هذه الحكومة الجديدة لإجراء انتخابات تشريعية وإعادة حكومة ديموقراطية إلى الأراضي الفلسطينية.
كذلك، ذكرت صحيفة «فاينانشل تايمز» في كانون الثاني أن خطة أخرى اقترحها تحالف من الدول العربية تقضي بإقامة دولة فلسطينية معترف بها، على أن تكون نسخة «مدعّمة» من السلطة الفلسطينية. (يتابع نتنياهو من جهته معارضة قيام أي دولة فلسطينية ذات سيادة).
توحي هذه التقارير بأن التاريخ يعيد نفسه. بعد انقلاب «حماس» في العام 2007، أعلن محمود عباس حال طوارئ وعيّن الخبير الاقتصادي المتعلّم في الولايات المتحدة سلام فياض، رئيساً لحكومة تصريف الأعمال إلى حين إجراء انتخابات جديدة. كان فياض عضواً في «حزب الطريق الثالث» الصغير، وقد اعتبره الرئيس الأميركي جورج بوش الإبن حينها «رجلاً صالحاً»، لكن لم يسمح تعيينه بكسب شرعية حقيقية.
اتّضح للجميع، قبل هجوم 7 تشرين الأول، أن الوقت حان لاستبدال عباس الذي يبلغ اليوم 88 عاماً. لكن لم تتّضح في أي لحظة هوية خَلَفه. يجب أن يقع عليه الاختيار قبل إجراء أي انتخابات طبعاً، ما يزيد أهمية المكائد الداخلية في حركة «فتح».
لا تزال جهة معيّنة داخل حركة «فتح» تفضّل العودة إلى حكومة الوحدة الوطنية التي تشمل «حماس». يضمّ هذا المعسكر خَلَفاً محتملاً لعباس: إنه جبريل الرجوب، أمين سر اللجنة المركزية في حركة «فتح»، وقد حاول سابقاً أن يعيد إحياء اتفاق تقاسم السلطة بين «فتح» و»حماس».
يفضّل معسكر آخر إزاحة «حماس» والتقرّب من إسرائيل والولايات المتحدة. يُعتبر حسين الشيخ الذي عيّنه عباس كأمين سر لمنظمة التحرير الفلسطينية خياراً أكثر مراعاة لإسرائيل. تساءل الشيخ خلال مقابلة مع وكالة «رويترز» في كانون الأول: «أليس من الأفضل أن نناقش كيفية إدارة هذا الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي؟» لهذا السبب، اعتبرته «حماس» «متحدّثاً باسم الاحتلال».
ما من مسار واضح لتقريب المسافة بين هذه المواقف المتعارضة. بغض النظر عن هوية بديل عباس، سيواجه المسؤول المقبل المشكلات التي تعامل معها الرئيس القديم: الشعب الفلسطيني يعتبر حركة «فتح» فاسدة، وغير كفوءة، وعائقاً أمام قيام الدولة الفلسطينية.
فازت «حماس» في انتخابات العام 2007 لهذا السبب تحديداً. وفي الفترة الأخيرة، زادت شعبية الحركة منذ هجوم 7 تشرين الأول: يكشف استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية أن نسبة تأييد «حماس» تضاعفت مقارنةً بما كانت عليه منذ أشهر.
استغلّت «حماس» هذه الفرصة، فظهر زعيمها السياسي إسماعيل هنية خلال مؤتمر صحافي في كانون الثاني، إلى جانب عضو من اللجنة المركزية لحركة «فتح»، ودعا إلى إنهاء القتال بين الفصيلين وإجراء انتخابات جديدة.
لكن يكشف استطلاع المركز الفلسطيني مشكلة عميقة أخرى. عند إجراء استطلاع مباشر في حزيران 2022، عبّر أكثر من سبعة فلسطينيين من كل عشرة عن رغبتهم في حصول انتخابات جديدة. لكن عبّر أقل من نصفهم عن استعداده للتصويت إذا اضطروا للاختيار بين عباس كمرشّح عن «فتح» وهنية كمرشّح عن «حماس».
وعند سؤالهم عن البديل المناسب لعباس في أواخر السنة الماضية، سمّى 1 في المئة منهم فقط اسم حسين الشيخ، ولم يظهر اسم الرجوب مطلقاً. لكن كرّر ثلث الفلسطينيين اسماً آخر لقيادتهم: مروان البرغوثي.
تكمن المشكلة في وجود البرغوثي في السجون الإسرائيلية منذ العام 2002 لتنفيذ أحكام مؤبدة متتالية. دانته محكمة إسرائيلية بتهمة القتل والإرهاب، لكنه نسخة فلسطينية من نيلسون مانديلا برأي الكثيرين في الأراضي الفلسطينية. تكررت المناشدات والحملات التي تدعو إلى إطلاق سراحه على مر السنين، لكنها لم تُحقق شيئاً. (لطالما كان البرغوثي على خلاف مع عباس والموالين له).
حالما يتوقف القتال أو يتباطأ، ستصبح الحاجة مُلحّة إلى إقامة دولة فاعلة في غزة المدمرة. ستُقابَل أي محاولة من «حماس» لإعادة فرض سيطرتها باستعمال القوة من الجانب الإسرائيلي على الأرجح. في غضون ذلك، تقول السلطة الفلسطينية إنها لن تحاول العودة إلى غزة ما لم يُطرَح اتفاق سلام شامل على طاولة المفاوضات.
سيكون أي احتلال إسرائيلي طويل الأمد خياراً غير مرغوب فيه وغير قابل للاستمرار. لكن تبدو أي خطة مبهمة لنشر قوة حفظ سلام بقيادة العرب مستبعدة وغير عملية أيضاً. يرفض الفلسطينيون من جهتهم فكرة أن تُحدد قوى خارجية أجندتهم السياسية، وهو موقف مبرر. في رسالة مفتوحة، تعهد عدد من الناشطين في غزة «بإدانة ورفض أي نقاشات سياسية» طالما تستمر العمليات العسكرية الإسرائيلية.
تقضي خطة من اقتراح إسرائيل بتشكيل «لجان مدنية» (توافق عليها إسرائيل مباشرةً على الأرجح) لحُكم غزة. قد تكون هذه الفكرة مستوحاة من مبادرة «روابط القرى» خلال السبعينات. لكن من المتوقع أن تفشل هذه الخطة للسبب نفسه: لا يمكن أن تفرض قوة محتلة أي حكومة محلية على شعب معيّن.
يتعلق احتمال آخر بعدم تشكيل أي حكومة في غزة بكل بساطة. قد تسترجع السلطة الفلسطينية سيطرتها ظاهرياً، لكن سيحكم تحالف من الجهات المانحة الغربية غزة عملياً، فيما يدير الجيش الإسرائيلي «المنطقة العازلة» المُخطط لها، فينظف الأراضي الفلسطينية ويطلق غارات انتقائية بالشكل الذي يناسبه. في غضون ذلك، سيستمر الحصار الإسرائيلي.
تُعتبر لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية على نطاق واسع هيئة حيادية ومستقلة وكفوءة. لا مفر من أن تواجه هذه اللجنة بعض التحديات في المراحل المقبلة، لكنها تشكّل رمزاً نادراً للصدقية في ظل تصاعد الاستياء العام من السلطة الفلسطينية.
أفضل ما يستطيع العالم فعله خلال مرحلة ما بعد الصراع الافتراضية هو ضمان نجاح اللجنة الانتخابية. في المقام الأول، يجب أن يستحدث المعنيون لائحة الناخبين لأن آخر تحديث من هذا النوع حصل في العام 2021. لكن يعني النزوح الجماعي الهائل داخل غزة أن تلك اللائحة تحتاج إلى مراجعة واسعة.
يبدو أن الشعب الفلسطيني يفضّل الخيارات السياسية التي لا تشمل «فتح» ولا «حماس». لكنّ القانون الحالي لا يسمح بتأسيس أي حزب تنافسي جديد.
قد يكون إصلاح النظام الانتخابي لإرساء ديموقراطية حقيقية ومتعددة الأحزاب جزءاً من الطرق التي تسمح بإخراج «فتح» من السلطة، تزامناً مع طرح بديل عن «حماس». سبق وتحققت معظم الخطوات التي تُمهّد لهذه العملية. أصدر مجلس الأمن في الأمم المتحدة خارطة طريق لإقرار حل الدولتين في العام 2003، وهي تشمل مجموعة من الإصلاحات السياسية.
سيكون التركيز على إطلاق عملية سياسية حقيقية في فلسطين عاملاً أساسياً لإرساء سلام دائم، لكن يتطلب هذا الهدف أخذ موافقة أطراف تتبادل الكراهية. سيحكم فشل هذه المساعي على الفلسطينيين باستمرار الفساد السياسي، والاختلالات، والطموحات غير المحققة، طوال جيل آخر. يستحق الشعب الفلسطيني مصيراً أفضل من ذلك.