شربل داغر

"حزب الله" والثقافة في لبنان

3 دقائق للقراءة

أتساءل: ما صلة "حزب الله" بالثقافة والمثقفين في لبنان؟

هذا السؤال أرى ضرورة لطرحه، وقد بات هذا الحزب اقوى الأحزاب اللبنانية والاكثر تأثيراً في عدد من سياسات البلد.

فمن يعد الى نشأة الأحزاب اللبنانية، منذ العقدين الأولين في القرن العشرين، يتحقق من ان العدد الاغلب منها انتظم وفق تطلعات ومشروعات، بين أيديولوجية وسياسية، لعبت فيها الثقافة وطموحاتها دوراً بنائياً أكيداً. وهو ما يمكن التحقق منه أيضاً في اعداد المثقفين والمفكرين الذين لعبوا أدواراً وزارية ونيابية و"تمثيلية" و"خطابية" اكيدة في ظهورات هذه الاحزاب وفعاليتها.

هذا ما تراجع بعد الحرب الأخيرة، وهو ما بلغ مع "حزب الله" نقلة مختلفة للغاية.

لهذا "الحزب" بناء شديد السرية، بحكم عمله "العسكري" الاكيد، وبحكم طبيعة "مهامه" الامنية المنتشرة.

هذا ما لا يُسهِّل تعرّف اللبنانيين اليه، ولا الى "ثقافته"، عدا ان التعرّف إلى عقيدة "ولاية الفقيه" التي ينضوي تحتها، لا تستوقف، لا حلفاءه، ولا خصومه، بالمقابل، كما لو أنها أقرب إلى شأن ديني، بل مذهبي محض، لا علاقة له بغير المنتسبين إلى هذا "الحزب".

أما لو اقتربنا الى أفعال هذا "الحزب" خارج السياسة، فلن نجد له حضوراً يذكر في الثقافة في لبنان. لو وضعنا جانباً بعض الجامعيين والباحثين والاعلاميين، ممن ينشرون حضوراً له، فإننا لن نقع على غيرهم.

لزياد الرحباني، حين يشارك في حفل "النصر الإلهي"، يحضر بوصفه غير ملحن، او موسيقي، او مسرحي، فضلاً عن أن إنتاجاته لا تظهر في "اجهزة" الحزب النشرية او الاعلامية او الثقافية. مثلما لا تظهر أغنيات جوليا بطرس...ولا نسمع لرفيق علي احمد غير صوته في إعلان تلفزيوني بعد حرب تموز...

شعراء لبنانيون كتبوا قصائد في "المقاومة" (التي باتت "إسلامية" حصراً)، وعدد اكبر منهم "يناصرونها" سياسياً، ولكن كما لو انهم، هم او "الحزب" نفسه، يعيشون في بلد آخر.

لا نسمع اغنية تصدر عنهم غير اناشيد "المنشدين" المصطفين، والذين تختفي أسماؤهم...

في الإمكان ملاحظة امور كثيرة اخرى، ما يرسم سؤالاً صعباً واكيداً في هذا البلد: هل "حزب الله" تنظيم عسكري، شديد السرية، قوي الحضور من دون اثر ثقافي يذكر؟

إلا ان غياب الأثر لا يعني غيابه تماماً، بل ضعفه، وعدم التعويل عليه. ويعني خصوصاً عدم "الاختلاط" او "الشراكة" او "التلاحم" مع غيره في ثقافة البلد. وهو ما يثير مشكلة مزيدة، بادية ومقبلة من دون شك، لا تخص النخب الشيعية وحدها، من رجال الدين الى حملة الاقلام والفن:

ما بدأ به رجال دين - لعل السيد هاني فحص من أواخرهم - منذ مطالع القرن العشرين، وكتاب وفنانون منذ ستينات القرن العشرين، بات يفتقد مداه المفتوح...

وهو سؤال وغيره لا يخص "الحزب" و"بيئته"، وإنما يخص النخب اللبنانية، في هذا البلد الذي جعل من الثقافة عنصراً فاعلاً في بنائه، في تخييله، في إشاعة حضوره.