مطلع الرابع والعشرين من شهر تشرين الأوّل من العام 79 بعد الميلاد، تفجَّر بركان فيزوفيو وغطّت حُمَمه مدينة بومبيي المتربّعة بين الجبل والبحر، وكانت آنئذ إحدى المدن الرومانيّة المزدهرة. ذاك الصباح، اهتزّت الأرض ولم تشرق الشمس على سكّان المدينة الذين باغتتهم الأتربة والرماد والصخور المصهورة بالنار، وكذلك الدخان الذي غطّى السماء وتحوّل إلى مطر أسود ملتهب. وقد ظلّت المدينة مطمورة طوال سبعة عشر قرناً، ولم يبدأ العثور على بقاياها إلاّ في منتصف القرن الثامن عشر. وهذا ما حافظ على الكثير من معالمها ومن الأعمال الفنية التي وُجدت في ساحاتها وقصورها ومساكنها، وكانت صورة للحياة المتوارية عن البصر والتي ظلّت تنبض تحت الأرض.
أعمال التنقيب وجدت المدينة كما كانت. المساكن والمعابد وأواني الطبخ وبعض الأطعمة المجمّدة التي كانت مجهّزة للأكل، وأيضاً جثث السكّان الذين لم يتمكّنوا من الهرب بعدما صارت أجساماً متحجّرة أشبه بالتماثيل. وثمّة وجوه لا تزال ماثلة فيها لحظةُ الوجع الأخيرة، على الرغم من تجمّدها في الحجر والزمن. وهناك جسمان متعانقان كانا قد عاشا لحظة الموت معاً ولم يفترقا منذ ذلك الحين. كأنّهما يمثّلان، في صورتهما الراهنة، وعد الحبّ الأبدي.
تميّزت بومبيي بعلاقتها بالفنّ فكانت متحفاً سواء في شوارعها وساحاتها أو داخل قصورها وفي بعض المنازل. وانتشرت فيها اللوحات الجداريّة الرائعة والفسيفساء. بعض تلك الأعمال وصل إلينا كاملاً، ولم ينطفئ وهج ألوانها الحارّة وتفاصيلها المدهشة. تنهل اللوحات الملوّنة من مصادر فنّيّة عدّة وتمثّل مشاهد مختلفة يختلط فيها الحضور الإنساني والمشهد الطبيعي. مشاهد مستوحاة من الأساطير اليونانيّة، ومنها نرسيس وليدا والبجعة، وأيضاً مشاهد رمزيّة أو تزيينيّة يغلب عليها الطابع الهندسي. في الدارة المعروفة تحت اسم "دارة الأسرار"، تطالعنا جداريّات تبقى معاني بعضها ألغازاً خصوصاً في رسوم تعطي أهمّية كبرى للنظرات الغامضة التي تحدّق في المجهول.
ولا تنحصر أهمية الرسومات في بُعدها الجمالي، بل تشكّل أيضاً وثيقة تاريخيّة تكشف جوانب من روح المدينة وعاداتها واهتماماتها، كما تكشف تَعلُّق سكّانها بالحدائق التي كانت تغطّي جزءاً من مساحة عدد من المنازل. بعض الجداريات أظهرت نظرة المدينة إلى الجسد، داخل بيوت الخاصّة، وكذلك في أماكن المتعة المدفوعة الثمن. لوحات تصوّر بجرأة الأجساد العارية وغواياتها في أجواء باذخة، وهذا ما حوّل أيضاً مدينة الترف والذوق والجمال "مملكةً للحواسّ". غير أنّ هذا الجانب الذي يطالعنا بصور وأشكال مختلفة في معظم الحضارات، دفع بالكثير من بسطاء القلوب إلى اعتبار أنّ كارثة البركان هي عقاب إلهي.
هذه العوالم التي يتألّف منها سحر مدينة بومبيي عرف كيف ينقلها المعرض الذي أُعيد افتتاحه هذا الشهر، في صالات "القصر الكبير" في باريس، وذلك بعد فترة الحَجر التي رافقت انتشار وباء كورونا. المعرض حدث ثقافي، وهو محصّلة أعمال التنقيب التي ما زالت مستمرّة حتّى اليوم، وخلاصة الأبحاث التي قام بها علماء من حقول معرفية مختلفة، وتمّ إبرازها بصورة فريدة من خلال استعمال التقنيات السمعيّة والبصريّة الحديثة، وبطريقة حافظت على الحلم الذي يرافق كلّ من أراد الغوص في مناخات هذه المدينة وتاريخها. وليست مصادفة أن يكون قد استوحى منها الكثير من الكتّاب والفنانين من مختلف الجنسيّات طوال القرنين الماضيين.
مدينة الفنّ والجمال لا تخفي وجهها الآخر المتمثّل في العبوديّة. بحسب بعض المؤرّخين، بلغت نسبة العبيد الذين كانوا يعملون في المدينة الأربعين في المئة من السكّان، وكان الموقع الاجتماعي للشخص يُقاس بعدد العبيد الذين يقتنيهم. وإلى جانب المسارح العاديّة التي كانت تقدّم أعمالاً مأخوذة من المسرح الإغريقي، كانت إحدى الهوايات المفضّلة لأهل بومبيي الذهاب إلى المُدَرَّج المستدير الذي يتّسع لأكثر من عشرين ألف شخص لمشاهدة مباريات المصارعة العنيفة بين المصارعين من جهة، أو بين هؤلاء والحيوانات المفترسة. هذه المباريات كانت تستقطب أعداداً كبيرة من المتعطّشين لرؤية الدم والعنف في أعلى مظاهره.
بومبيي، المدينة التي حفظ البركان أسرارها، صورة للحضارات الإنسانيّة في وجوهها المتعدّدة، وما حدث فيها وخلّد ذكراها ينتمي إلى أحداث التاريخ التي يمتزج فيها الواقع والمتخيّل. يستولي عليها التكهُّن والدهشة فتصبح كأنّها من طينة الأسطورة، خصوصاً عندما يكون لها علاقة مباشرة وغريبة بالموت.