توجّه العلماء إلى المروج العالية في جبال الألب الصخرية وأثبتوا للمرة الأولى أن طائر الطنان البري يستطيع رؤية أشعة فوق بنفسجية بألوان غير مرئية للبشر. أجرى الباحثون بقيادة ماري كاسويل ستودارد، خبيرة في البيئة الحسية في جامعة "برينستون"، اختبارات على طيور الطنان البرية وواسعة الذيل في مسكنها الطبيعي وأثبتوا بكل وضوح أن هذه الطيور تستعمل قدرتها على رؤية الأشعة فوق البنفسجية للبحث عن الطعام.
نشرت "وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم" نتائج تلك التجارب حديثاً وسلّطت الضوء على الاختلافات بين رؤية البشر وما تراه أجناس متعددة من الطيور والأسماك والحيوانات. على نطاق أوسع، تُشدد النتائج على مسارات تطور الحواس لدى الحيوانات البرية، إذ غالباً ما تتوسع حواسها بما يفوق مستوى السمع أو الشم أو النظر لدى البشر.
أصبح طائر الطنان محور الجهود العلمية الرامية إلى رصد القدرات البصرية لدى الحيوانات البرية. تستطيع هذه الطيور الصغيرة أن تقوم بحركات بهلوانية مثل الانقضاض وتغيير الاتجاه والتأرجح بفضل دماغها الذي يحلل الألوان والحركات ومؤشرات بصرية أخرى بطريقة استثنائية وخاصة بالطيور. يُعتبر دماغها الأكبر نسبةً إلى حجم جسمها من بين جميع الطيور، ويشمل مجموعات كثيفة من الخلايا العصبية في الشبكية ودوائر دماغية متطورة وقادرة على معالجة الصور بسرعة فائقة وتحديد الاتجاهات وتجنب حوادث الاصطدام.
إختلافات بين البشر والطيور
تشمل العين البشرية ثلاثة مخاريط للألوان، لذا يستطيع الإنسان أن يرى الضوء بأطوال موجية تتراوح بين 400 و700 نانومتر، أي ما يساوي ألوان قوس قزح.
لكن بالإضافة إلى ألوان الأحمر والأزرق والأخضر، يحمل طائر الطنان من جهته مخروطاً رابعاً يسمح له برصد الأشعة فوق البنفسجية. يشاهد عدد كبير من الطيور ألواناً غير طيفية تنتجها مخاريط حساسة تجاه الأشعة الحمراء وفوق البنفسجية.
يعرف علماء الأحياء منذ فترة طويلة أن عيون بعض أنواع الطيور تكون حساسة تجاه الأشعة فوق البنفسجية، لكنهم ما كانوا يعرفون طريقة تأثير هذا الجانب على رؤيتها أو سلوكها الطبيعي. في الرؤية البشرية، تشتق الألوان من ثلاثة أنواع مستقبلات حساسة تجاه الأشعة الحمراء والخضراء والزرقاء. لكن تحمل طيور الطنان وكائنات أخرى كثيرة أربعة أجهزة لاستشعار هذه الألوان في كل عين. يكون النوع الرابع مُصمّماً للتعامل مع الأطوال الموجية الخاصة بالأشعة فوق البنفسجية التي لا يشاهدها البشر في الحالات الطبيعية.
طوّر خبراء في البيئة الحسية في ألمانيا والسويد حديثاً أول كاميرات تجريبية لتصوير أغراض يومية بالطريقة التي يراها طائر الطنان وطيور أخرى. كذلك، يستكشف علماء الحيوان في كندا طريقة تأثير البصر غير المألوف لدى طيور الطنان على سلوكياتها عبر مراقبة نشاطها الدماغي فيما تحلّق في واقع افتراضي داخل نظام معيّن من الأنفاق.
لكن حتى الآن، لم يحصل أحد على أدلة مباشرة حول ما تختبره الطيور في الحياة البرية عبر العيون القادرة على رؤية الأشعة فوق البنفسجية. افترض العلماء أن الطيور قد تشاهد درجات ألوان غريبة وغير طيفية لا يستطيع البشر رؤيتها عند مشاهدة ألوان قوس قزح، وهي تنجم عن تركيبات من الأشعة فوق البنفسجية التي تشمل الأخضر والأحمر والأصفر بدرجات لا نستطيع رصدها.
لاستكشاف الموضوع، قصدت ستودارد وزملاؤها "مختبر روكي ماونتن" في كولورادو، وهو عبارة عن أرض خصبة وعالية الارتفاع لطيور الطنان واسعة الذيل. أنشأ العلماء هناك محطتَين غذائيتَين مزودتَين بشاشات عاملة بالصمام الثنائي الباعث للضوء لبث تركيبات من الألوان غير الطيفية، مثل الأخضر فوق البنفسجي. بثّت إحدى المحطتَين ألواناً فوق بنفسجية وشملت خليط الماء والسكر الذي تحبّه طيور الطنان. أما المحطة الثانية، فبثت ظلاً غير طيفي من اللون نفسه واحتوت على ماء عادي.
على مر ثلاث سنوات من الاختبارات الميدانية، زارت الطيور المحطتَين 6 آلاف مرة. وحين تعلّمت رصد المؤشرات، استطاعت أن تتجه نحو الماء والسكر، حتى لو بدّل الباحثون مكان الخلطات أو غيروا الألوان المستعملة، بفضل قدرتها على التمييز بين الألوان فوق البنفسجية والدرجات الأخرى. توضح ستودارد: "شاهدنا طيور الطنان وهي ترصد الاختلافات بين الألوان التي بدت لنا متشابهة بالكامل. كانت هذه الظاهرة مثيرة للاهتمام فعلاً". ثم اختبرت ستودارد وزملاؤها 3300 عيّنة من الريش والنباتات. شمل ثلثها مؤشرات مرئية ضمن درجات الألوان فوق البنفسجية.
لاستشكاف ما تشاهده الطيور عبر الأشعة فوق البنفسجية، تعاونت سينثيا تيدور، خبيرة في البيئة الحسية في جامعة "هامبورغ" الألمانية، مع "مجموعة لوند فيجن" في جامعة "لوند" في السويد لابتكار كاميرا متعددة الأطياف فيها عدسة من عين الطيور. صمّمت تيدور فلاتر لتقليد الأنواع الأربعة المختلفة من مخاريط رؤية الألوان في شبكية الطائر. كلّف تصنيع كل فلتر حوالى 10 آلاف دولار.
حين صوّرت تيدور مساحات خضراء من الغابات، اكتشفت أن الأشعة فوق البنفسجية التي تعكسها الأوراق الخضراء تُلوّن إحدى الجهات بألوان أكثر حيوية من الجهة الثانية، ما يجعلها أكثر تميزاً من النباتات الأخرى من حيث العمق والتفاصيل. هي تفترض أن رؤية الأشعة فوق البنفسجية تساعد الطيور السريعة، مثل طائر الطنان، على التنقل بسهولة إضافية عبر الشجيرات الكثيفة من خلال تحديد العقبات بدرجة مضاعفة من الوضوح. تقول تيدور: "لم أتوقع يوماً رصد هذه الظاهرة. حين أشاهد المناظر الخضراء، تبدو لي المساحات كلها باللون نفسه".
من المعروف أن أي دماغ يعجز عن استيعاب جميع التفاصيل التي يشملها العالم. يحلل دوغلاس ألتشولير من جامعة كولومبيا البريطانية طريقة معالجة المعلومات البصرية لدى طيور الطنان أثناء طيرانها، فيقول: "لو تمكنا من استشعار ما يرصده كل حيوان ووضعنا تلك المعلومات كلها في دماغ واحد، لا أظن أننا نستطيع ابتكار دماغ كبير بما يكفي لِيَسَعها".
يحمل طائر الطنان قدرة مضاعفة على رؤية الألوان إذاً، لكنه يفتقر إلى حاسة الشم. في المقابل، تتمتع الكلاب بحاسة شم عالية الدقة لكن يبدو أنها مصابة بعمى الألوان. توضح ألكسندرا هوروفيتز من "مختبر إدراك الكلاب" في كلية "بارنارد": "لا ترصد الكلاب على الأرجح أي اختلافات بين الأصفر والأحمر. يصبح العالم أشبه بأجواء الغسق القاتمة حين تخسر الألوان بريقها".
يبدو أن قدرتنا المحدودة على رؤية الألوان ترتبط بمسار تطور البشر. خسر أسلافنا القدامى على الأرجح قدرتهم على رؤية الألوان فوق البنفسجية في حقبةٍ تابعت فيها الديناصورات تجوّلها واكتفت ثدييات أخرى بالخروج ليلاً. احتفظت معظم الطيور المعاصرة بنطاق الرؤية فوق البنفسجية إذاً لأنها تنحدر من سلالة الديناصورات ذات العيون القادرة على مشاهدة الألوان الساطعة. تقول ستودارد: "لقد حُرمنا من هذه القدرة. الطيور ليست مميزة من هذه الناحية، بل إن البشر خسروا جزءاً من خصائصهم. رغم هذه التطورات كلها، يستحيل أن نعرف معنى الألوان فوق البنفسجية بنظر الطيور. الأمر أشبه بحصول نقلة نوعية في عالم الألوان. هل يمكن تشبيه الوضع بتفوّق التلفزيون الملوّن على الأبيض والأسود أم أن المسألة مختلفة؟ إنه السؤال الذي يُرجِعنا دوماً إلى هذا الموضوع".
الـــــحـــــواس الـــــخـــــمـــــس لا تـــــكـــــفـــــي!
تستعمل حيوانات أخرى أدوات مميزة للتنقل في العالم:
السلاحف البحرية (حقول مغناطيسية) تتنقل السلاحف البحرية الصغيرة في أنحاء المحيط استناداً إلى تقلّبات الحقل المغناطيسي لكوكب الأرض. يظن العلماء أن هذه الحاسة تشتق من بروتين يرصد الضوء اسمه "كريبتوكروم"، وهو موجود لدى هذا النوع من الحيوانات تحديداً. |
|
| الكلاب (حاسة الشم) تحمل الكلاب حوالى 300 مليون مُستقبِل شمّي لتضخيم حاسة الشم لديها، مقابل 6 ملايين تقريباً لدى البشر. يبدو أن قدرة الكلاب على رصد الروائح تكون أفضل من قدرة البشر بمعدل يتراوح بين 10 آلاف و100 ألف مرة. ويبلغ الحد الأدنى للكشف عن المركّبات العضوية المتطايرة لدى الكلاب جزءاً واحداً في التريليون. |
|
النحل الطنان (حقول كهربائية) يجمع النحل شحنة كهربائية إيجابية حين يطير، فيستعمل خيوطاً رفيعة على رأسه وجسمه لرصد الشحنات السلبية التي تنتجها الأزهار. |
|
الفِيَلة (موجات تحت صوتية) يستعمل الفيل صوتاً منخفض التردد، بين 1 و20 هيرتز، للتواصل مع الفِيَلة الأخرى على بُعد أميال عنه. يعجز البشر عن سماع هذا الصوت. |
|
أفاعي الحُفَر (رؤية بالأشعة تحت الحمراء) تحمل الأفاعي والثعابين ثقوباً على وجهها فيها غشاء يستطيع رصد الأشعة تحت الحمراء من الأجسام الدافئة على بُعد متر تقريباً، وهو يسمح للأفاعي برؤية صورة عن الحيوانات المفترسة أو فرائسها. |
|




