ريتا ابراهيم فريد

الشتائم على مواقع التواصل الاجتماعي... تعبير عن الغضب أم استخدام سيّئ للحرية؟

8 دقائق للقراءة
في الفترة الأخيرة ازداد عدد الاستدعاءات والتوقيفات بحقّ الناشطين إثر منشورات أو تغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي توجّهوا فيها بالإساءة الى شخصية معيّنة أو طرف سياسي ما. وفيما يبرّر البعض للشتم باعتبار أنها حرية تعبير، إضافة الى كونها الوسيلة الوحيدة المتبقية للشعب للتنفيس عن غضبه تجاه سلطة أمعنت في إذلاله، يرفض البعض في المقابل هذا الأسلوب ويحذّر من خطورة تحويل مواقع التواصل الاجتماعي الى منبر لتبادل الشتائم، معتبراً أنّ الرسالة يمكن أن تصل من دون تجريح بأحد أو تعرّض للكرامات.


هنادي جرجس: إمعان السلطة في القمع يزيد من نسبة التمرّد



من يتابع الناشطة هنادي جرجس على مواقع التواصل الاجتماعي يلاحظ كمية الجرأة التي تتميّز بها في التعبير عن رأيها. مواقفها حاسمة، رغم أنها تعبّر عنها أحياناً بأسلوب ساخر لا يخلو من حسّ الفكاهة. هنادي تمّ توقيفها في فترة سابقة بسبب منشور كتبته ضدّ إحدى الجهات السياسية، حيث اتصلوا بها من مكتب جرائم المعلوماتية، ولم تعلم حينها أنّ هذا التوقيف سيستمرّ ثلاثة أيام، وأنها ستنتقل الى مخفر حبيش مع موقوفي الدعارة وتعاطي المخدرات، حيث تمّ التعاطي معها كمجرمة لمجرّد أنها نشرت رأيها على صفحتها الخاصة. تشير هنادي الى أنّهم حينها نبشوا منشورات قديمة جداً لها، وكأنّ الضوء كان مسلّطاً عليها لتأديبها بسبب عدائها لهذه الجهة السياسية. ولاحقاً بعد أن حذفوا لها المنشورات، دفعوها للتوقيع على تعهّد بعدم التطاول على أسماء بعض الشخصيات، ثم أفرجوا عنها بإخلاء سبيل. وفي حين تشدّد هنادي على أنّ لكلّ شخص الحرية في التعبير عن رأيه كما يشاء، إلا أنها اليوم تتجنّب تسمية البعض خلال انتقادها لهم، حيث ترمز لهم بألقاب معينة، غالباً ما تكون مضحكة. وفي هذا الإطار، تشير الى أنّ الرأي أو الرسالة يمكن أن تصل من خلال رمز ينتقد الشخص من دون تسميته، وتقول: "هذا أسلوب للتذاكي على هذه السلطة وعلى مسألة التعهّد التي أجبروني على التوقيع عليه، وفي الوقت نفسه أعبّر عن رأيي من دون خطر اقتيادي مرة أخرى الى السجن".

وعن التوقيفات التي تطال الناشطين في الفترة الأخيرة، تعتبر هنادي أنها سيف ذو حدّين، وتقول: "حين تمعن السلطة في قمع الناس، قد يخاف البعض بالطبع، لكنّ ذلك سيخلق في داخلهم نوعاً من الكره، وهذا أمر خطير قد يؤدّي الى انفجار اجتماعي. فنحن شعب متمرّد بطبيعته ولن نقبل بهذا الاستفزاز، وحين يتمّ قمعنا سنتمرّد أكثر". وفي حين تعترف هنادي أنّ الشتم هو أمر خاطئ لو اعتبرنا أننا نعيش في مجتمع مثالي، لكنها تسأل: "ماذا عن وطن يموت فيه المواطنون من الجوع، فيما تنشغل السلطة بملاحقة من يعبّر عن غضبه بشتيمة؟" وأردفت: "لا شكّ في أنّ الرسالة يمكن أن تصل بطرق متعددة. لكن طالما أنّ أنصار الفريق السياسي الذي يمتلك السلطة يشتمون ويتنمّرون على مواقع التواصل الاجتماعي كما يشاؤون، لم لا ينطبق ذلك على الجميع؟"







هبة فرحات: فضح الملفّات له وقع أكبر من الشتائم



أشارت الناشطة هبة فرحات الى أنّ الوضع الصعب الذي نعيشه اليوم جراء فساد السلطة، أشعل غضباً كبيراً في النفوس. والبعض لا يجد أسلوباً للتعبير عن هذا الغضب إلا من خلال الشتيمة، «التي لا تُعتبر نقطة في بحر الجرائم المرتكبة ضدّ الشعب اللبناني من قبل الحكام»، حسب قولها. هذا وشدّدت على ضرورة التفريق بين توصيف الشخص وبين شتمه، وأوضحت: «الشتيمة يعبّر عنها بعبارات نابية وجارحة تطال شخصاً ما، ويقصد منها الإهانة. أما الإنتقاد أو توصيف مسؤول ما بأنّه فاسد أو سارق، فهي نظرة عامة عن الشخص المقصود ولا يمكن أن تعتبر قدحاً وذمّاً وشتيمة». وتابعت: «أنا شخصياً أفضّل عدم التطرق لأي شخص بالشتائم التي لا تقدّم ولا تؤخّر، بل أرى أنه من الأفضل تسمية الأشخاص بأسمائهم وتحديد أعمالهم السيئة أو سوء أدائهم وإدارتهم، الأمر الذي سيترك أثراً لديهم أولاً، ولدى الرأي العام ثانياً. ففضح الملفّات واللجوء الى القضاء والاعتصامات المفتوحة مع هتافات محددة، لها وقع أكبر من الشتائم». من جهة أخرى، أسفت فرحات لاستدعاء الناشطين وتوقيفهم، واعتبرت أنّ هذه الاستدعاءات التي تبنى على منشور معيّن، ومحاولة إلزام المستدعى بتوقيع تعهّد تحت طائلة تمديد مدّة احتجازه هي إجراءات قمعية وغير قانونية، وهي وسيلة من وسائل الردع والقمع بالدرجة الأولى، ثم الترهيب والتهويل بالدرجة الثانية، وأضافت :»وأكثر من ذلك نذهب الى الاعتقاد بأنّ استدعاء الناشطين وتوقيفهم ما هو إلا استقواء عليهم في ظلّ عجز السلطة القضائية عن محاسبة الفاسدين الكبار». هذا وتحدّثت هبة عن مبادرة أطلقتها منذ فترة وجيزة جمعية Reform Lebanon، وهي عبارة عن مشروع قيد التحضير بخصوص التوعية الشبابية الاجتماعية والسياسية، مشيرة الى أنّ المشروع يتضمّن جزءاً يتمحور حول الخطاب البنّاء البعيد عن الشتيمة، واستبدالها بالعبارات المتّزنة والهادفة الى بناء الدولة المدنية الحضارية، بعيداً من الانحطاط السياسي والطائفي الذي يشكّل أساس أزماتنا الداخلية اليوم.







أمين بو يحيى: الشتيمة تجرّ الشتيمة... والبعض يعتبرها جرأة للأسف


يرفض الإعلامي والخبير في مواقع التواصل الإجتماعي أمين بو يحيى أي تبرير للشتم والتجريح بالآخر وفتح الملفات الشخصية ردّاً على قضايا عامّة، وقال: «هذا الأمر غير مقبول بتاتاً. للأسف يتمّ اليوم استخدام وسائل التواصل الإجتماعي بطريقة مؤذية جداً، والبعض يضعها ضمن إطار «فشة الخلق». أما أنا فأعتبرها بلا جدوى. فالشتيمة لن تغيّر شيئاً في الوضع العام، إنّما ستستحضر لصاحبها الإهانة، وستُظهر أن مستواه الأخلاقي متدنٍّ لا أكثر». وشدّد بو يحيى على أنّ وسائل التواصل الإجتماعي تعكس بيئتنا وأخلاقنا وأهلنا، مشيراً الى أنّ الشتيمة تجرّ الشتيمة، والأجدى أن يعتصم المعترضون أمام المؤسسة التي تحرمهم من خدمات معينة، أو أمام مكتب الوزير مثلاً. وأضاف أننا نعيش منذ أكثر من سنة في غابة اسمها «تويتر»، وبدلاً من أن يكون موقعاً لتبادل الأفكار والمعلومات والتعارف ووسيلة للحصول على عمل ربّما، تحوّلت هذه المنصة الى منبر للشتم والتجريح لأسباب سياسية، حيث يرى البعض أن الشتم هو دليل جرأة. وفي ظلّ غياب أي قانون لمواقع التواصل الاجتماعي، أشار بو يحيى الى أننا ما زلنا حتى اليوم نعمل على قانون صدر منذ العام 1960 والمتعلق بالقدح والذمّ. وأضاف: «معلوماتي أن هناك مشروع قانون بدأ مجلس النواب درسه منذ بضع سنوات، لكن حتى يومنا هذا لم يحدث أي تقدّم فيه. نحن بحاجة الى قوانين رادعة، على ألا تكون رادعة للحرية، إنّما لأخلاق البعض لأنّه من غير المسموح أن يتعرّض أي صاحب رأي محترم ومنطقي الى الشتائم الشخصية له ولعائلته فقط لأن رأيه مختلف». هذا واعتبر بو يحيى أنّ الحرية يتمّ استخدامها اليوم بطريقة سيئة، فإعطاء الرأي والانتقاد أمر مشروع، إنما التحريض على شخص معيّن وإطلاق الأكاذيب والشائعات هو أمر غير مقبول على الإطلاق. ولفت الى أنّ كل دول العالم تمارس الرقابة على هذا الموضوع ضمن الأطر القانونية، «ولا أدري لماذا لا تزال الأمور «فلتانة» في لبنان الى حدّ الآن»، حسب قوله. 






 


رفيق غريزي: لا أؤيّد أسلوب الشتم لكن أتفهّم من يلجأ إليه



من جهته، أشار المحامي رفيق غريزي الى أنّ القدح والذمّ في الوسائل الإعلامية يشكّلان جرماً منصوصاً عليه في قانون العقوبات، وتابع: «لكن برأينا القانوني، هذا النوع من الجرم لا يستدعي التوقيف. كما أنّ جنوح السلطة نحو توقيف من يعبّر عن رأيه ولو عبر الشتم، واستدعاء الناشطين بهذا الشكل، يشكّل مخالفة صارخة لقانون أصول المحاكمات الجزائية». وإذ شدّد على أنّه لا يشجّع على الشتم إطلاقاً، بل يدعو الى التعبير عن الرأي ضمن حدود احترام كرامة الآخر، أضاف: «لكن يجب أن نفهم أّنّ المجتمع ليس مكوّناً بأكمله من أطبّاء ومحامين ومثقّفين، إنما الناس العاديون يشكّلون جزءاً كبيراً من هذا المجتمع، وهؤلاء هم مواطنون متألّمون ويعيشون وضعاً اقتصادياً ومعيشياً صعباً يهدّد حقّهم في العيش بكرامة. وبالتالي أمام هذا الواقع، بات البعض يعبّرون عن وجعهم بهذه الطريقة ومن خلال الشتم». وتابع: «أكرّر أنني شخصياً لا أؤيّد الشتم، إنما أتفهم من يلجأ إليه كتعبير عن الرأي. في المقابل، لا يجب أن تلجأ السلطة الى توقيفهم، إنما يجب العمل على معالجة الأسباب التي أدت بهم الى هذا الأسلوب من التعبير». وعن ازدياد عدد التوقيفات في الفترة الأخيرة بسبب منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، اعتبر غريزي أنّ ذلك يشير الى أنّ السلطة تعاني من خلل كبير، وهذا ما يبرّر حملة الاعتراض الواسعة على أدائها واستبدادها، إضافة الى انتفاض الأجهزة الأمنية والنيابة العامة لاستدعاء أصحاب الرأي تحت ذريعة تطبيق القانون. ورأى أنّ الاستمرار في هذا النهج «سيعيدنا الى ما قبل العام 2005، وسنكون فعلاً قد أصبحنا نظاماً يتّجه نحو الشرق وأنظمته وأساليبه، وهذا ما نخشاه».