دخلت الحرب السودانية عامها الثاني في ظلّ انعدام الرؤية الإيجابية لإنهاء الإقتتال بين السودانيين، أقلّه في المدى المنظور. الخسائر متعدّدة في البلد الذي شهد انقلابات عسكرية عديدة في تاريخه، نُفِّذت كلّها باسم «الخلاص الوطني»، وقادها ضباط من الجيش لديهم حلم الوصول إلى السلطة والتمكّن السياسي، حيث شهد السودان منذ العام 1957 حتى اليوم 14 محاولة انقلاب فاشلة و7 إنقلابات ناجحة قام بها ضباط في الجيش.
الحرب التي اندلعت في 15 نيسان 2023 بين الجيش السوداني بقيادة رئيس مجلس السيادة اللواء عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة نائب رئيس مجلس السيادة اللواء محمد حمدان دقلو المعروف بـ»حميدتي»، خلّفت حصيلة قتلى هائلة، وأحدثت دماراً اقتصادياً قدّرت خسائره بمليارات الدولارات، وأوجدت وضعاً إنسانياً وصف بالأكثر مأسوية في العالم، حيث شردت الملايين من منازلهم وأدخلت نصف عدد السكان، أي نحو 25 مليون شخص في دائرة إنعدام الأمن الغذائي، وسط مخاوف من تحولّ الصراع المسلّح إلى حرب أهلية شاملة، بحسب أحدث تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق المساعدات.
تشمل رقعة الحرب حاليّاً أكثر من 70 في المئة من مساحة البلاد، حيث إنتقل القتال من العاصمة الخرطوم إلى كردفان في الوسط الغربي ودارفور في الغرب والنيل الأبيض في الجنوب وولايتي الجزيرة وسنار في الوسط الشرقي والجنوب الشرقي توالياً. وتسبّب توسّع القتال بنزوح الملايين عن ديارهم، ولجوء مئات الآلاف إلى الدول المجاورة، خصوصاً إلى كل من تشاد في الغرب ودولة جنوب السودان في الجنوب ومصر شمالاً، ما يُمكن أن يؤدّي إلى نقل شرارة النزاع إلى الإقليم الأوسع.
الوضع المضطرب في الداخل السوداني أنتج سباقاً جيوسياسيّاً خارجيّاً لاكتساب التأثير داخل البلاد. أبرز هذه الدول إيران التي تتطلّع إلى نقطة نفوذ عسكري لها على ساحل البحر الأحمر الغربي أي في بورتسودان حيث يُسيطر الجيش السوداني، وتأمل في إنشاء موطئ قدم بحري لاستكمال مسار أعمالها الاستفزازية والعدائية للسفن الحربية والتجارية في هذا المنفذ الاستراتيجي، بهدف إثبات قدرتها أمام دول العالم أنّها «الحكم» في المنطقة وإلزام الدول الأخرى على التعامل معها والضغط على الولايات المتحدة لتخفيض العقوبات عليها.
عمليات تسليم الأسلحة من إيران إلى الجيش السوداني، أبرزها المسيّرات المسلّحة «مهاجر 4» و»مهاجر 6» و»أبابيل»، ساعدت في التغلّب على أوجه القصور التشغيلية للأدوات العسكرية لدى الجيش في الوقت المناسب، بعدما تمكّنت قوات الدعم السريع من السيطرة على مناطق عديدة وبشكل سريع حتى الشهر التاسع من القتال، تاريخ بدء وصول هذه الأسلحة الإيرانية إلى بورتسودان، حسب صور الأقمار الاصطناعية التي تكشف وجود هذه المسيّرات على مدرج قاعدة وادي سيدنا غرب النيل، وهي معروفة بأنّها تُصيب أهدافها بدقّة، ما ساعد الجيش على استعادة مدينة أم درمان الشهر الماضي.
كان لدى قوات الدعم السريع اليد العليا في الأيام الأولى للحرب من خلال سيطرتها شبه الكاملة على الفضاء الإعلامي، بحيث بادرت ببثِ صورٍ تؤكّد سيطرتها على مواقع كثيرة، منها مطارا الخرطوم ومروي الدوليان، تلت ذلك تصريحات لـ»حميدتي» تؤكّد سيطرة قواته على الأوضاع وتطالب البرهان بالاستسلام. وتتمتّع قوات الدعم السريع بميزة كثافة النيران وسرعة الحركة عبر عربات مدولبة مزوّدة بالمدافع الثنائية والرباعية، والتي يُقدّر عددها بعشرة آلاف عربة، تفوق عدد عربات الجيش السوداني، الأمر الذي أعطاها أفضلية في حرب المدن.
معضلة إمتلاك «الدعم السريع» لكثافة النيران ووفرة العديد والذخائر كانت في صلب خطط الجيش السوداني، الذي عمل على تقوية الدفاع ضمن مقرّاته بدلاً من التسرّع في القيام بهجمات معاكسة، واستدرج «الدعم السريع» للهجوم على هذه المقرّات باعتبارها بقع قتل، الأمر الذي مكَّن الجيش من الاحتفاظ نسبيّاً بقواه بإنتظار تبلور الحلول الديبلوماسية أو عقد اتفاقات سرية مع دول مهتمّة بموقع السودان الجغرافي أو بثرواته.
على الرغم من تقدّم الجيش في المعارك الحالية، فإنّ هذا لا يعني قرب حسم الحرب، بل سيكون هناك مزيد من القتال، فالجيش يُريد تفكيك قوات الدعم السريع بالكامل، علماً أنّ عناصرها من الشعب السوداني الذين يُحاربون للحفاظ على وجودهم ومصالحهم، وسوف يستمرّون في هذا طالما يُحافظون على الدعم الخارجي. يبقى دور الدول الفاعلة إقليميّاً ودوليّاً وضغوطها، الحلّ الوحيد لإجبار المتنازعين على وقف القتال وإنهاء الحرب.