رفيق خوري

مرحبا ديمقراطية خارج الدستور

1 أيار 2024

02 : 00

من باب البؤس أن نتحدث عن حياة سياسية في لبنان لمجرد وجود تركيبة سياسية تثرثر وتكرر المواقف بما يشبه علك الصوف. وقمة البؤس أن نتصرف كأننا في نظام ديمقراطي حين يكون الدستور معلقاً بقوة السلاح، وإبقاء الدولة مقطوعة الرأس خطة تستخدم شكل اللعبة الديمقراطية البرلمانية، وتوريط البلد في حرب حساباتها خارجية عملية بقرار من طرف واحد لا أحد يستطيع وقفها. فليس ما بقي من السياسة في لبنان سوى إستمرار للتراشق من الخنادق بوسائل أخرى وبالوسيلة نفسها أحياناً، أو بالتهديد بالفتنة رداً على أي إعتراض على توريط البلد بما لا قدرة له عليه ولا حاجة له فيه. ولا ما بقي من السلطة هو حتى سلطة في غياب الدولة بل ضرورة شكلية لحاجة القوة المتحكمة بالبلد والتي لا مصلحة لها حالياً في حكم البلد رسمياً قبل أن تدق الساعة على التوقيت المنتظر.

ذلك أن الأزمات ضاغطة على 90% من اللبنانيين. والحلول معروفة ومعلنة. وما يمنع إقرار المشاريع التي هي مفاتيح الحلول ليس العجز ولا الجهل ولا الإستخفاف وقلة المسؤولية بل الإصرار بالقصد على حماية مصالح المافيا السياسية والمالية والميليشيوية التي سطت على المال العام والخاص من دون محاسبة ولا عقاب مع ارتفاع في منسوب الوقاحة إلى حد الرغبة في معاقبة المسروقين من أصحاب الودائع في المصارف.

ولا شيء صار غريباً ومستغرباً في ديمقراطية الخوف من الإنتخابات، حيث لا إنتخابات رئاسية ولا نيابية ولا بلدية في المهل الدستورية إلا إذا كانت لمصلحة القوى المتحكمة. ولا بأس باستمرار الأكاديميين والقانونيين في الجدل والإجتهاد والبحث عن المراجع بالنسبة إلى كل ما يتعلق بالدستور والقوانين. لكن الطعن بالقوانين كما في حال القانون الذي مدد للبلديات، هو رحلة في العبث ما دام الدستور معلقاً. وإذا كانت الحرب في الجنوب هي الحجة للتمديد، فإن قرار التمديد سابق لحرب الجنوب، وهو عملياً التمديد الثالث، حيث لكل تمديد حجة لا تقلي عجة كما يقول المثل.

ومن الوهم ملء الفراغ بالتحركات التي يقوم بها سفراء دول «الخماسية» العربية والدولية، والإجتهاد في قراءة ما تسمى الإختلافات في النظر بين هذه الدول. ومن باب التسلية أن نقرأ يومياً عن الورقة أو اللاورقة الفرنسية وما تحويه من بنود منسقة أو غير منسقة مع أميركا والمستشار الرئاسي عاموس هوكشتاين. فالطريق مقطوع من البداية على إصرار «حزب الله» على ربط كل شيء بنهاية الحرب في غزة. لا أي نهاية بل التي تفوز فيها «حماس» وتبدأ بعدها المفاوضات مع «محور المقاومة» على إعادة تشكيل المنطقة. وفي هذا الإطار يقول الشيخ نعيم قاسم: «السلاح باقٍ ومتقدم ويصنع المستقبل». أي مستقبل أم أي ماضٍ؟ لا فرق.

والصورة بالغة التعبير. النار مشتعلة عبر الحدود بين لبنان وإسرائيل. وما تحاوله أميركا وفرنسا هو إقناع الطرفين بإبقاء النار ضمن حدود معينة، لأنهما في عجز عن إقناعهما بإطفاء النار.

«الديبلوماسية لا تعمل في فراغ، وهي تقنع، لا ببلاغة المشاركين فيها بل بتجميع توازن بين المخاطر والحوافز» كما يقول كيسينجر. لكن الظاهر أن التوازن لا يزال مختلاً بين المخاطر والحوافز بالنسبة إلى طرفي الحرب.

MISS 3