رواد مسلم

تطوّر اليابان الدفاعي لن يُفقدها نهجها السلمي القديم

5 دقائق للقراءة
اليابان تعمل للحفاظ على أمنها القومي (أ ف ب)

إعتمدت اليابان بعد الحرب العالمية الثانية دستوراً سلميّاً يحظر على البلاد خوض الحرب إلّا في حالات الدفاع عن النفس. ولم يعترف الدستور رسميّاً بالجيش، واقتصر حجمه على قدرات الدفاع عن النفس. كما فرضت حظراً على تصدير الأسلحة الذي تمّ تخفيفه في عام 2014 للمرّة الأولى منذ ما يقرب من 50 عاماً، وهي كانت خطوة نظرت إليها الصين بعين الريبة.

كان عام 2022 بمثابة إندفاعة دفاعية لليابان لتعزيز دورها القيادي في مجال الأمن الدولي، حين قرّرت الحكومة تخصيص ما يقرب من 320 مليار دولار على مدى 5 سنوات لتعزيز وتحديث القدرات الدفاعية والإنفاق الدفاعي بالإعتماد على الصناعات العسكرية الغربية والمحلّية، وأعلنت اليابان أنها ستضاعف إنفاقها العسكري إلى 2 في المئة من الناتج المحلّي، كمحاولة جدّية للتصدّي لتنامي العلاقات الروسية - الصينية - الكورية الشمالية.

أدّت الاستراتيجية الدفاعية الجديدة لليابان إلى إرتياح دول منطقة الإندو - باسيفيك وعمّقت علاقات طوكيو بدول ذات أهداف مشتركة متعلّقة بأنشطة الأمن البحري، مثل كوريا الجنوبية التي أصدرت في العام نفسه استراتيجيّتها الدفاعية الجديدة، وأستراليا والفيليبين وتايوان.

مبادئ الأمن القومي الياباني التي حدّدتها الاستراتيجية الجديدة، تضع التحالف الياباني - الأميركي في مقام التحالف الاستراتيجي لتوفير الردع الموسّع، وهو حجر الزاوية في سياسة الأمن القومي لليابان. كما تعتبر أنّ هذا التحالف يلعب دوراً مهمّاً لضمان أمن اليابان ولتحقيق السلام والاستقرار في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ. لذا، شدّدت الاستراتيجية على ضرورة العمل على تقوية التحالف الياباني - الأميركي في كلّ المجالات، بما في ذلك الديبلوماسية والدفاع والاقتصاد.

بعد أيام من إعلان الاستراتيجية، أصدرت وزارتا الدفاع اليابانية والأميركية بياناً مشتركاً حول التعاون في تطوير المقاتلة اليابانية المقبلة من الجيل السادس «أف أكس غودزيلا» في مجال تكنولوجيا الذكاء الإصطناعي. هذه المقاتلة اليابانية الجديدة ستحلّ محل المقاتلات اليابانية القديمة «أف 2»، وصناعتها ستكون بالتعاون بين اليابان والمملكة المتحدة وإيطاليا، حيث ستنشر في العام 2035 وستستبدل المقاتلات الأوروبّية من الجيل الرابع من طراز «يوروفايتر تايفون» التي تمتلك بريطانيا 144 مقاتلة منها، وإيطاليا 94.

لم يتمّ الإفصاح بشكل رسمي عن المواصفات الفنية للمقاتلة الجديدة. ومع ذلك، فمِن المحتمل أن تكون المقاتلة شبحية، ذات محرّكين، تتجاوز سرعة الصوت، وتتميّز بأجهزة استشعار متقدّمة وتتمتّع بقدرات الحرب الإلكترونية. ومن المرجّح أن تأخذ شركة «ميتسوبيشي إلكتريك» زمام المبادرة في هذا المجال، بحيث ستتزوّد المقاتلة بنظام التشويش للدفاع عن النفس، وقد تأتي المقاتلة مزوّدة بنظام متكامل للتحكّم بنيران المقاتلات الذي يُمكن أن يسمح لنظيراتها اليابانية بتجميع قدرات أجهزة استشعارها وتوجيه صواريخها، ما يُعزّز دقة صواريخها أبعد من مدى الرؤية.

تحتوي المقاتلة «غودزيلا» على تقنيات متقدّمة تعمل معظمها من خلال الذكاء الإصطناعي، بما في ذلك قدرات التحكّم عن بُعد بالطائرات المسيّرة، حيث ستتمكّن المقاتلة الجديدة من التحكّم بما يصل إلى 3 مسيّرات للدعم القتالي المسلّحة أو المجهّزة بأجهزة استشعار أو مركبات استكشافية. والطيّار يرتدي خوذة عرض على شكل الواقع الافتراضي، مزوّدة برادار يُمكن أن يقوم بدور سلاح متعدّد الموجات لتدمير صواريخ العدوّ. وستطوّر أنظمة هبوط بواسطة «سوبارو» التي تشتهر بصناعة السيارات، إلّا أنّ الشركة لديها قسم فضاء جوّي يقوم حاليّاً ببناء الأجنحة ومعدّات الهبوط للطائرات التجارية مثل «بوينغ 777».

يعدّ قيام اليابان بالتطوير المشترك للمقاتلة الجديدة التعاون الأوّل من نوعه مع دول أوروبّية ذات تفكير مُماثل، ويعدّ تعاوناً بالغ الأهمية للدفاع عن اليابان، ويجعل المقاتلة مرشّحة لتُصبح طائرة رئيسية لـ»الناتو» في المستقبل. فبريطانيا وإيطاليا هما عضوان رئيسيان في «الناتو»، وقد أبدت السويد أيضاً اهتمامها بالمشروع. وبحسب صحيفة «التايمز» البريطانية، بالإضافة إلى فرنسا وألمانيا وإسبانيا التي تعمل بشكل منفصل على تطوير مقاتلة من الجيل القادم، فإنّ برلين مهتمّة أيضاً بمشروع التطوير الذي تقوده اليابان وبريطانيا وإيطاليا. وهناك احتمال لاعتماد المقاتلة الجديدة من قِبل القوات الجوّية لدول «الناتو» الأخرى، بالإضافة إلى بريطانيا وإيطاليا.

منذ إعلان الاستراتيجية الجديدة واليابان تسعى إلى تعزيز قاعدتها الصناعية الدفاعية المحلّية وتقوية اقتصادها من خلال تصديرها للأسلحة والذخائر المنتجة محلّياً. ففي عام 2023، أعلنت الحكومة اليابانية نقل صواريخ «باتريوت» المنتجة في اليابان بموجب ترخيص إلى الولايات المتحدة، وكانت الخلفية الاستراتيجية لهذه الخطوة هي الغزو الروسي لأوكرانيا. كما أنّها تقوم بتصنيع قذائف مدفعية من عيار 155 ملم لصالح بريطانيا، بعد نيلها الترخيص من شركة «بي أي أي» البريطانية.

التوجّه العسكري الجديد لليابان لا يعني أنها تسعى إلى خوض مواجهة عسكرية فعلية قريباً، فلا تزال طوكيو تنتهج سياسة إقامة علاقة متوازنة ومستقرّة مع بكين، رغم تفضيلها الديموقراطية الغربية. ففي الوقت الذي تتّخذ فيه اليابان خطوات لتعزيز قدراتها على الردع، تتّجه أيضاً إلى دعم علاقاتها الاقتصادية القوية مع الصين، وهي حقيقة تتجلّى في مكانة الصين بوصفها أكبر شريك تجاري لليابان. هذا يُبيّن أنّ التطوّر الدفاعي الياباني يدخل ضمن سياسة الردع فحسب، ولن يُفقدها نهجها السلمي القديم.