يشير إجهاد ما بعد الصدمة إلى اضطراب نفسي حاد قد يعيق حياة المريض في حالات كثيرة، وهو يصيب كل من عاش حدثاً صادماً كما هي حال اللبنانيين اليوم مع الانفجار الكبير الذي قلب حياتنا رأساً على عقب. غالباً ما يظهر هذا الاضطراب لدى المحاربين القدامى، لكنه يصيب أيضاً الراشدين الأكبر سناً، لا سيما الرجال.
ووفق وزارة شؤون المحاربين القدامى الأميركية، يتعرض حوالى 70% من الناس الأكبر سناً لنوعٍ من الصدمة في مرحلة معينة من حياتهم. يكون جزء كبير من تلك الصدمات على شكل حوادث (أو مواقف خطيرة كادت تُسبب حوادث كبرى) أو إصابات أو مشاكل نفسية حادة.
تبرز أمثلة أخرى على هذه الحالة، منها الوفاة المفاجئة لأحد الأصدقاء أو الأحباء أو وقوع حدث وطني أو عالمي مثل انتشار وباء "كوفيد-19" اليوم.
تقول الدكتورة أندريا روبرتس، عالِمة بحثية بارزة في قسم الصحة البيئية في كلية "تي إتش تشان" للصحة العامة في جامعة "هارفارد": "لا يؤثر إجهاد ما بعد الصدمة على نوعية الحياة فحسب، بل على الصحة الجسدية والنفسية أيضاً. لذا من الضروري أن تبحث عن العلاج الذي يناسبك إذا كنت تشعر بضغط نفسي مستمر له علاقة بحدث صادم أو سلسلة من الأحداث المؤثرة".
درجات متفاوتة من المرض
يترافق إجهاد ما بعد الصدمة مع عدد من أعراض الاكتئاب، منها فقدان الاهتمام بالنشاطات، وإيجاد صعوبة في التواصل مع أفراد العائلة، واضطراب في النوم والتركيز. من الشائع أيضاً أن يتجنب الفرد المواقف التي تُذكّره بالحدث الصادم، مثل ركوب السيارة أو التنقل في الأنفاق أو حتى أحوال جوية معينة. قد يصاب عدد كبير من كبار السن بإجهاد ما بعد الصدمة من دون أن يدركوا حقيقة وضعهم.
قد يظهر إجهاد ما بعد الصدمة بدرجات متفاوتة لدى الناس، حتى أن الحالة تكون متقطعة أحياناً. كذلك، يبدي البعض ردة فعل متأخرة على تجربة صادمة. توضح روبرتس: "لا تظهر أي أعراض لفترة طويلة تمتد أحياناً إلى سنوات بعد الصدمة الأصلية، لكنّ تكرار الحدث نفسه أو أي عامل يشير إليه قد يطلق الأعراض فجأةً".
قد تعيش الحدث الصادم مجدداً عبر الكوابيس مثلاً أو حين ترصد أصواتاً أو روائح محددة.

أبرز الأعراض
يمكن تشخيص إجهاد ما بعد الصدمة حين يواجه الفرد حدثاً صادماً ثم يصاب بقلق حاد يدوم طوال شهر على الأقل. لكن قد لا تظهر الأعراض قبل أشهر أو حتى سنوات من وقوع التجربة الصادمة. تذكر "جمعية القلق والاكتئاب الأميركية" أربعة أنواع أساسية من أعراض إجهاد ما بعد الصدمة:
• عيش الصدمة مجدداً عبر تذكّر الحدث الأصلي على شكل لقطات من الماضي أو كوابيس.
• تجنب أماكن أو أشخاص أو نشاطات تُذكّر المريض بالصدمة.
• صعوبة في النوم والتركيز.
• تعكر المزاج وإبداء ردود أفعال غاضبة بسهولة.
عـــلاجـــات مـــحـــتـــمـــلـــة
ينعكس إجهاد ما بعد الصدمة على الصحة بكل وضوح. وفق دراسة نشرتها مجلة "الزهايمر والخرف" في كانون الثاني 2018، تبيّن أن هذا الاضطراب يزيد احتمال الإصابة بالخرف. وتذكر أبحاث أخرى أن إجهاد ما بعد الصدمة يرتبط بزيادة أمراض القلب والجلطات الدماغية. لكن غالباً ما تتحسن الأعراض بعد معالجتها. إذا كنت تواجه أعراضاً مماثلة، لا تتردد في استشارة طبيبك لأنه يستطيع أن يُشخّص حالتك بدقة ويُحدد أفضل مسار علاجي في حالتك. تتعدد الطرق المثبتة التي تسهم في معالجة إجهاد ما بعد الصدمة أو التحكم به، نذكر منها:
العلاج بالتعرّض المطول: تحت إشراف المعالج، ستتعرض مجدداً لعناصر الصدمة الأصلية بوتيرة تدريجية (الأفكار، المشاعر، تفاصيل الموقف) لكن ضمن بيئة آمنة هذه المرة. وفق دراسة نشرها موقع مجلة "جاما" لعلم النفس في 24 نيسان 2019، تبيّن أن هذا العلاج يفيد تحديداً المصابين بإجهاد ما بعد الصدمة ومشاكل الإدمان على الكحول.
الدعم الاجتماعي: يُعتبر الدعم الاجتماعي أداة أساسية للسيطرة على إجهاد ما بعد الصدمة. توضح روبرتس: "لوحظ أن التواصل بين الناس والحفاظ على علاقاتهم يسهمان في تخفيف حدة الاكتئاب والقلق. كذلك، يمكن تعزيز قوة التحمّل في وجه الاكتئاب وإجهاد ما بعد الصدمة عبر تقوية الروابط الشخصية". غالباً ما تكون إقامة الصداقات الجديدة مهمة صعبة في حال الإصابة بإجهاد ما بعد الصدمة، لذا ننصحك بالتركيز على علاقاتك الراهنة.
الأدوية: قد يصف الطبيب مضادات اكتئاب من نوع مثبطات إعادة امتصاص السيروتونين الانتقائية لمعالجة الاكتئاب والقلق إذا كانا يرتبطان بإجهاد ما بعد الصدمة.
الرياضة: تكشف الدراسات أن الرياضة المنتظمة والمعتدلة قد تُخفف أعراض القلق والاكتئاب، لا سيما إذا تزامنت مع الأدوية المناسبة والعلاج بالكلام.
التأمل: وفق دراسة نشرتها مجلة "التقارير النفسية" في شباط 2019، تسهم ممارسة التأمل التجاوزي مرتين يومياً في تخفيف أعراض إجهاد ما بعد الصدمة والاكتئاب.