محمد نمر

"الحيادية" في مواصفات رئيس الجمهورية!

4 دقائق للقراءة

تتحول "الحيادية" السياسية اللبنانية إلى وجهة نظر، كما مبدأ الحياد، تخدم السياسيين بالمفرق لا بالجملة، وتظهر "غب الطلب" على مقاسات محددة. وذلك يشمل "كلّن يعني كلّن"، بالإذن من شعار الثورة، الذي كذلك تصل شظاياه الى الثوار أنفسهم.

بعد انطلاق ثورة 17 تشرين بـ 12 يوماً قدم لها الرئيس سعد الحريري انجازاً، كان من المفترض أن يشكّل لها وقوداً للاستمرار في شعار "كلّن يعني كلّن". وأتت الاستقالة حينها رغم رفض غالبية القوى السياسية المشاركة بالحكومة، وخصوصاً "حزب الله" و"التيار الوطني الحر".

أحرقت الثورة وقودها من دون أن تستثمره، وسكت الشارع مع تكليف حسان دياب تشكيل الحكومة بأصوات "حزب الله" وحلفائه على رأسهم "أمل" و"الوطني الحر". هدوء الشارع كان غريباً وأحرقت الثورة بوقود استقالة الحريري شعار "كلّن يعني كلّن". وقالت حينها النائبة المستقيلة بولا يعقوبيان، الداعمة للثورة، بعد لقائها دياب: "فوجئت لأنه يبدو أن الحكومة ستكون من المستقلين بالكامل، وقال لها أنه سيعتذر إذا كانت هناك مطالب من الأحزاب وأنه هو من سيؤلفها ولا اسماء مودعة لديه...". شكّل دياب الحكومة وكانت معالمها واضحة: رئيس "بالاسم" و"غالبية" الوزراء هم "مستشارون"، ومن كان تكنوقراطياً منهم كان محاصراً بـ"الوزير الأصيل"، وبدأت مسيرة دفع لبنان إلى المزيد من الانهيار ورغم ذلك ظل الشارع هادئاً.

مرت أشهر واللبنانيون يسألون عن الثورة. اين الثوار والساحات؟ أين الملايين؟ لا شك ان جائحة كورونا كانت سبباً اساسياً في تعطيل التحركات "المقوننة" في الشارع، لكنها كانت مبرراً ضعيفاً أمام عودة التحركات بعد انفجار المرفأ، في وقت كان فيه عدّاد "كورونا" يكسر ارقاماً قياسية.

أقال "انفجار المرفأ" دياب، وجاء التنفيذ من المكلفين له، فلولا وقوع الكارثة لما كان "حزب الله" وافق على إقالة دياب حتى لو امتلأت الساحات والشوارع المطالبة بذلك. وقع انفجار بيروت وعاد الشارع يتحرك من جديد، لكن مقارنة بانطلاق ثورة "17 تشرين" يمكن تسجيل غياب الثورة في الساحات (طرابلس، صيدا، سعدنايل، النبطية، بعلبك)، بل تمركزت التحركات في بيروت في أعداد لم تبلغ الحد الأدنى من تحركات "17 تشرين" في الساحات. لم تتركز الكاميرات على تحركات كبيرة في ساحة رياض الصلح أمام السراي الحكومي، بل كان التركيز على مداخل مجلس النواب. كانوا بضعة آلاف في وسط بيروت.

أقيل دياب، وهدأ الشارع مجدداً، ولم يكمل طريقه نحو بعبدا، بل لم يتم تسجيل أي تحرك على طريق القصر الجمهوري منذ وقوع الانفجار، علماً أن الرئيس عون اعترف بنفسه بأنه كان على علم بوجود النيترات، وهو مسؤول أول مع "حزب الله" عن ايصال البلاد إلى هذه الحال. إذاً نشهد حالياً على أيام هادئة في الشارع، إلا اذا اخترقتها تحركات خجولة عددياً في وسط بيروت. وفي كلا الحالتين إن الثورة تكرر الخطأ نفسه بعدم متابعتها على الجميع من رئاسة الجمهورية إلى أصغر مسؤول. فالمعادلة القائمة على اللعب بموقع رئاسة الحكومة وتحييد رئيسي الجمهورية ومجلس النواب تعني أن للثورة حسابات سياسية أو طائفية. ويكون على الثوّار الإختيار بين أمرين:

إما الضغط لاقالة الرئاستين الأولى والثانية والمطالبة بعدها بثلاثة رؤساء حياديين لا يرتبطون بالقوى السياسية والأحزاب ووضع مواصفات لهم، خصوصاً أن تجربة عون "الحزبية" فشلت لعدم قيامه بدور الحكم والمحافظة على الدستور، او عدم فرض مواصفات على الحكومة ورئاستها.

يبقى ان الحيادية كما هي وجهة نظر و"حمالة أوجه"، فهي أيضا تلهج بعكسها تماماً رؤوس حامية، وآخرها طرح السيد حسن نصرالله الذي لا يتورع عن إشهار عدم إيمانه بالحياد "متعكزاً" على نظرية "الإنسان حيوان ناطق سياسي"، ليسقط بالتالي كل مندرجاته بما فيها الحكومة الحيادية... على قاعدة أنها تنافي الغريزة بالبقاء السياسي والعسكري.