جولي مراد

لا ننام

15 آب 2020

02 : 00

تأتيني على غفلة. أحياناً حيث لا مقام لها. هكذا فجأة في لحظة استغفال تفرض نفسها عليّ باجتياح المغتصب الغازي... تجثم على صدري لساعات... تأبى إعتاقي... اختناقٌ مؤلمٌ يطبق على روحي... تنهمر الدموع فجأةً بدفقٍ لا ينضب... ألتقط أنفاسي المتقطّعة وأمضي في صياحٍ هستيري... فيضٌ من الجمل أتقيّأها لساعاتٍ مضنية وكأنني أفرغ من فمي حمولة عمرٍ احترق في وطنٍ يبخل عليّ بومضة هناء... وهكذا أنتحب، لساعاتٍ في مشهدٍ درامي، طفولةً قضيتها بين ركام أبنية متصدّعة وسيارات متفحمة وأشلاء جثث متناثرة على أرصفةٍ امّحت معالمها فتحوّلت محيطاً من الأحمر القاني... وأبكي... أندبُ عقوداً من انفجارات واغتيالات وإرهاب في مدارس وكنائس وجوامع وساحاتٍ عامة... في ومضةٍ أستعيد مشاهد قتلٍ ودمار تتزاحم في رأسي متوسّلة الانعتاق...

لا أنام... منذ الانفجار المشؤوم يخاصمني النوم... يهجر جفنيّ... أخاف أن يأتيني على غفلةٍ... الموتُ غدراً في لحظةٍ لم أحسب لها حساباً وبهندامٍ لا يفي مناسبة الوداع.... سأنتظره بعينٍ واحدة لأوقف تسلّله خلسة... سأحاربه برحيلٍ يليق بي ولا يفطر قلوب أحبائي بمؤازرة شنطةٍ أتخمتها بمقتنياتٍ تعزّ عليّ...

أغفو لبضع لحظات لأصحو مذعورةً... صور الضحايا تطاردني... رالف... علي... ألكسندرا... ايزاك... حسن... ليزا... جون... جاد... روان... مئات... آلاف الوجوه تلاحقني... أطرافٌ مدمّمة... أعضاءٌ مبتورة تأبى تركي وشأني... أسمعها تؤنبني: "كيف تطبقين جفناً وأمهاتنا الثكالى ينتحبن ودماؤنا تروي بيروت، مدينتك التي نحرت من الوريد الى الوريد؟"... الذنب يؤرقني... أتفقد يديّ.. أتحسّس رجليّ... جسدي هذا لا أريدُ تشوّهه... لا أريد أن ألملم أهلي، أصدقائي، زملائي، كلّ من تقاسمت معهم لقمة خبزٍ، من تحت الأنقاض... لا أريدهم "شهداء" بل أحياء يرزقون كفراشاتٍ ترفرف حولي...

مزيجٌ من الغضب والحزن يعتصر حواسي... يتآكلني... صراخي الأبكم يصمّ كياني... أستنجد بهاتفي... لا بدّ من أن ينتشلني من شقائي، من بؤسي المتمادي بطشاً... سيلٌ من صور الضحايا استوطن المساحات، وقصصٌ لأمهات، لأخوة، لأحباء، لأبناء، لأحفاد، لأصدقاء، لزملاء ابتلعهم الانفجار تجتاح الفيسبوك... لا أحد نائمٌ... كلّنا في مخالب الأرق... كأننا في أتونٍ مشترك، في جنازةٍ مهيبة... في إبادةٍ جماعية... ثم يزورني جدّي... يقصدني من غياهب الزمن كأنه يتقصّد ملامتي على عدم اكتراثي طفلةً لفظاعات إبادةٍ عاشها فتياً، وسط بحور من الجثث كانت تطارده على امتداد عقودٍ وعقود مؤرقةً لياليه... وألمحك الآن يا جدّي في زاويتك المظلمة بساعاتٍ متأخّرة من الليل تنتحبُ وحيداً... تجهش بصوتٍ خافتٍ بعيداً عنّا لصون ما تبقى من طيف كرامةٍ مزّقتها أنياب مجرمين فتكوا بأترابك وحوّلوا وطنك حطاماً ناكرين عليك هناء مصالحتك مع ماضٍ دام بإنكارٍ يرفض للجرح أن يندمل...

لماذا يا جدّي؟ لماذا أورثتني آلام شعبيْن؟ كيف أتحمّل جلجلة إبادتيْن؟ واحدة طاولت جذوري قبل ما يربو على المائة عام وما زالت تنكأ فؤادي، وأخرى بالتقسيط وبأزمنةٍ متباعدة في وطنٍ لا يرتوي من دماء شعبه ويرفض الاستقالة من الموت؟

دواماتٌ من البكاء وجولاتٌ من الندب تتوعّدني بأنّ أرَقي سيكون طويلاً طويلاً... وهل نمنا يوماً أساساً يا جدّي في بلدٍ نتقاسم فيه الفراش مع خوفٍ لا يجيد التلاشي وفي عالمٍ لا ينطق بلغة العدالة؟


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.