رواد مسلم

هجوم خاركيف لن يتوقّف بالأسلحة الغربية فقط

4 دقائق للقراءة
منطقة خاركيف عادت ساحة حرب حقيقية (أ ف ب)

يعترف الجيش الأوكراني بأنّ الجيش الروسي يُحقّق نجاحاً تكتيكيّاً في خاركيف، شمال شرق أوكرانيا، بعدما شنّ اعتباراً من الجمعة هجوماً برّياً مفاجئاً عبر الحدود من 30 ألف جندي من أصل 50 ألفاً حشدهم منذ أيام على الحدود، وتوزّعوا بمجموعات صغيرة وفي اتجاهات متعدّدة في محاولة لتوسيع الجبهة وتشتيت القوات الأوكرانية، والدفع بأقصى الإمكانات الهجومية لاحتلال أراضٍ أوكرانية قبل وصول المساعدات الغربية التي من المُفترض أن تبدأ في الوصول في أوائل حزيران الآتي، علماً أنّ الجيش الروسي يعرف أنّها أسلحة دفاعية أكثر منها هجومية، لا تُجبره على تقوية مواقعه الدفاعية.

في الواقع، العملية الروسية العنيفة في خاركيف مجرّد واحدة من العمليات الهجومية التي تحدث على خطّ الدفاع الأوكراني الرئيسي الممتدّ من الشمال إلى الجنوب، حيث يُحاول الروس الحصول على أكبر قدر مُمكن من المواقع في منطقة محدّدة لتركيز القوات الأوكرانية فيها، ما يزيد من الثغرات في نقاط الضعف الأخرى على كامل الجبهة، ويفتح المجال لاختراق خطوط الدفاع بمواقع متعدّدة في شمال أوكرانيا وشرقها وجنوبها.

لا يُمكن اعتبار الهجوم في خاركيف استراتيجياً إلّا إذا تمكّن الروس من الوصول إلى العاصمة خاركيف، ثاني أكبر المدن الأوكرانية والتي تبعد 30 كلم عن الحدود، لكنّه محاولة روسية للحفاظ على زمام المبادرة من خلال مواصلة الضغط في ظلّ وجود ذخيرة قليلة جدّاً للأوكرانيين، وتعزيز النجاح الروسي قبل أن يتمكّن الأوكرانيون من الردّ بكفاءة بعد الحصول على الأسلحة والذخائر.

يرتكز جزء من الكفاءة الأوكرانية على النقل اللوجستي السريع والفعّال، حيث يُمكن للجيش الأوكراني أن يُحرّك قواته بين خاركيف ودونباس بسهولة وسرعة أكبر بكثير من الروس، لأنّهم يحتفظون بالخطوط الداخلية الأقصر، ولديهم شبكة سكك حديد وطرق ممتازة، ما يعني أن القوات الأوكرانية لديها مسافة أقلّ بكثير للعبور.

تفريق الجيش الأوكراني وخلق فجوة يجعلان الجيش الروسي أيضاً ضعيفاً في مناطق أخرى، مثل باخموت وأفدييفكا، وهذا بسبب الوقت الذي يتطلّبه الجيش الروسي لتعزيز الدفاع في هذه المناطق نسبةً إلى الوقت القليل الذي يُمكن أن يجعل الجيش الأوكراني الأقرب لاسترجاع مناطق أخرى في هذه الفترة، مستفيداً من الأعمال الإستخباراتية المدعومة من الغرب.

ولتعزيز الموقف الروسي لكافة الاحتمالات المستقبلية، يُريد الكرملين تعزيز موقفه التفاوضي من خلال احتلال الأراضي في شمال أوكرانيا، بما في ذلك المدن ذات الأهمية الاستراتيجية، أي خاركيف، حتّى يُصبح لديه ما يُمكن المساومة عليه. علاوةً على ذلك، في حال وقف إطلاق النار، سيكون من الضروري إنشاء منطقة لفضّ الاشتباك أو منطقة عازلة بين القوات، ويُحاول الكرملين الآن التأكد أن هذه المنطقة تقع بالكامل على الأراضي الأوكرانية.

كان لمسألة تسليم الأسلحة الدفاعية بكميات كافية في الوقت المناسب أن يُمكّن الجيش الأوكراني من حماية كلّ المدن الكبرى، وليس كييف فقط. وكان على الأوروبّيين التسريع بتسليم الأسلحة بالنيابة عن الولايات المتحدة في هذه الفترة العصيبة، كون حماية أوروبا من التوسّع الروسي يبدأ من أوكرانيا. إنّ تعزيز موقف روسيا التفاوضي لن يكون لصالح الأوكرانيين والأوروبّيين أيضاً.

إذا كان على أوروبا أن تأخذ أمنها على محمل الجدّ، فيتعيّن عليها أن تُفكّر في إدخال بعض التعديلات المطلوبة على ميثاق حلف «الناتو»، وخلافاً للمادة الخامسة الغامضة الحالية، والتي تعتمد بشكل كبير على الافتراض الضمني بأنّ الولايات المتحدة سوف تكون دائماً بمثابة المصدّ، فإنّ الميثاق المعدّل الجديد لا بدّ أن يكون استباقيّاً، وملزماً، ونهائيّاً لكلّ الأعضاء الذين يختارون حمايته.

أمّا بالنسبة إلى الوضع الراهن في خاركيف خصوصاً، وفي أوكرانيا عموماً، فلا يُمكن للدول الأوروبّية إنجاح العمليات الدفاعية الأوكرانية بتزويدها الأسلحة الدفاعية بالكميات الموعودة، ويتعيّن عليها في المرحلة المقبلة تعزيز أعداد الجيش الأوكراني الذي يُعتبر مهزوماً معنويّاً بعد فترة طويلة من الجمود وشهرين من التراجع، لكن هذا التعزيز سيُغرقهم في وحول حرب شاملة على الدول الأوروبّية لا يخاف منها الروس.

الجيش الروسي يمتلك موارد بشرية وعسكرية تفوق قدرة الجيش الأوكراني على صدّها بالأسلحة الغربية الحالية، وحتّى الموعودة في المدى القريب، ولو كانت نوعية الأسلحة الغربية أكثر فعالية، فالجيش الروسي يُمكنه تعويض الجودة بالكمية المطلقة، بحيث يُطلق عدداً هائلاً من ذخائر المدفعية الضخمة، ولديه عشرات الآلاف من المسيّرات قيد التشغيل، وغيرها من القدرات الهائلة. إنّ مرونة الجيش الروسي في مواجهة خسائر الأفراد والأسلحة، قد تُمكّن قوّاته من مواصلة القتال في أوكرانيا لعدّة سنوات.