روس في جورجيا يستلهمون من التظاهرات لكن يتخوّفون من تداعياتها

5 دقائق للقراءة

يقف الروسي إيفان وسط تظاهرة في تبليسي ليشاهد آلاف الجورجيين يحتجّون ضد قانون مثير للجدل يستهدف المنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام، شهد الشاب البالغ 37 عامًا إقرار مثيل له في بلاده.

 فر إيفان من روسيا المجاورة، حيث أن النسخة الأكثر صرامة من قانون جورجيا تجعل من الخطورة بمكان انتقاد الرئيس فلاديمير بوتين وقيادته علناً.

ومثل آلاف من الروس، غادر إيفان في أعقاب غزو الكرملين لأوكرانيا عام 2022، والذي كان إيذانا ببدء حقبة جديدة من القمع.

ويعيش روس مناهضون للكرملين الآن في المنفى في تبليسي، ويتابعون أسابيع من الاحتجاجات الحاشدة ضد قانون "النفوذ الأجنبي" بمزيج من الإعجاب والقلق وبعض الغيرة.

وقال إيفان الذي رفض ذكر لقبه خوفاً على أقاربه في الوطن "أعرف بالضبط ما هي عواقب هذا القانون". وشارك إيفان وصديقه سيرغي، وهو من أصل أوكراني نشأ في روسيا، في الاحتجاج، حيث هتف الجورجيون "لا للقانون الروسي!". 

وقال سيرغي وهو في الثلاثينيات من عمره أيضا "أحيانا تغلبني الغيرة لأن الناس لم يتصرفوا بهذه الطريقة في روسيا" مشيرا "ثم تم اعتماد هذه القوانين للأسف. يمكننا أن نرى ما يحدث وكيف يتم استخدامها".

ويتم الإعلان في روسيا عن "عملاء أجانب" جدد أسبوعيا. ومعظم الذين يجرؤون على التحدث علناً ضد بوتين يطلق عليهم هذا التوصيف ويذهبون إلى المنفى. 

وبحسب سيرغي "لا أريد أن تصبح جورجيا روسيا أو بيلاروسيا أخرى".

- "سيناريو روسي"-

أعلنت رئيسة جورجيا سالومي زورابيشفيلي السبت أنها استخدمت حق النقض ضد القانون المثير للجدل بشأن "التأثير الأجنبي" والذي أثار احتجاجات حاشدة.

وقالت في خطاب متلفز "اليوم، أستخدم حق النقض (...) ضد القانون الذي هو روسي في جوهره والذي يتعارض مع دستورنا"، لكن الفيتو رمزي إلى حد كبير إذ يتمتّع حزب "الحلم الجورجي" الحاكم بغالبيّة كبيرة في المجلس التشريعي، ما يسمح له بتمرير القوانين والتصويت ضدّ الفيتو بدون الحاجة إلى دعم أيّ من نواب المعارضة.

ويُلزم التشريع أيّ منظّمة غير حكوميّة أو مؤسّسة إعلاميّة تتلقّى أكثر من 20 في المئة من تمويلها من الخارج، بالتسجيل باعتبارها "منظّمة تسعى إلى تحقيق مصالح قوّة أجنبيّة". 

ويقول منتقدو التشريع إنه مستلهم من القانون الروسي بشأن "العملاء الأجانب" ويهدف الى إسكات المعارضة، وقد يؤثر على طموح البلاد في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

بحسب إيفان فإن الأجواء جعلته "يحن" لاحتجاجات موسكو في عامي 2017 و2019، والتي نظمها في الغالب زعيم المعارضة الراحل أليكسي نافالني، الذي توفي في سجن روسي في القطب الشمالي في شباط/فبراير. 

أصبحت التظاهرات الآن شبه مستحيلة في روسيا. وبينما قال إيفان إنه شعر "بالإلهام"، فإنه أعرب عن قلقه من أن "كل شيء يمكن أن يتغير بضغطة إصبع". 

وكان يخشى أن تهدأ الاحتجاجات عندما يتعب الناس من النضال من أجل حقوقهم، كما حدث ببطء في روسيا. 

واعتمدت روسيا قانون "العملاء الأجانب" في عام 2012، ومنذ ذلك الحين قامت بتشديده عدة مرات.

ترى ماريا ماكاروفا"لقد فهمت أن السيناريو الروسي الخاص بنا كان يعيد نفسه". 

وعملت ماكاروفا في مكتب نافالني في مدينة تشيليابينسك في جبال الأورال، لكنها فرت من روسيا في كانون الثاني/ يناير 2022 بعد أن وُصفت منظمته بأنها متطرفة. 

ووصلت إلى العاصمة الجورجية قبل عدة أسابيع من تدفق الروس بسبب غزو أوكرانيا.

وفي الشقة التي تتقاسمها مع ناشطتين أخريين في المعارضة الروسية، وصفت شعورها "بالخوف الشديد عند رؤية قانون العميل الأجنبي هنا لأول مرة". 

وأضافت "أسوأ ما في الأمر هو أن الدوافع واحدة". 

تتهم السلطات الجورجية منتقدي الحكومة بتلقي أوامر من الخارج والمنظمات غير الحكومية بالتخطيط لثورة. 

بالنسبة للروس في تبليسي، فإن هذا يعيد ذكريات كيف بدأ كل شيء في بلادهم.

وتوضح "رأيت كيف انزلقت بلدي ببطء إلى الديكتاتورية، وكيف تم تشديد الخناق تدريجياً". 

- "خوف دائم" -

ما زال الروس الآخرون غير قادرين على فهم الأجواء المريحة التي سادت التظاهرات - مقارنة بالاحتجاجات في وطنهم.

وبحسب ماريا (25 عاما) فإنه "في بلدان اخرى، حيث تنجح الاحتجاجات وتكون بالقرب من أشخاص آخرين، يغمرك الأدرينالين". 

ورفضت ماريا ذكر اسم عائلتها، قائلة إن والدتها واجهت مشاكل في العمل بسبب حضورها مسيرات المعارضة.

 وقالت"في روسيا، إنه خوف دائم"، مضيفة بعصبية "هذا الخوف يكسر بين الحين والآخر بالنشوة المتمثلة في عدم القبض عليك أو ضربك".

ومنذ وصول الروس إلى تبليسي، هناك بعض التوتر في المدينة. وهناك كتابات على الجدران في جميع أنحاء المدينة تقول "أيها الروس عودوا إلى دياركم". 

وبالنسبة لفنان روسي (26 عاما) غيّر اسمه إلى غراي  "نحن إخوة وأعداء بالنسبة لهم في الوقت نفسه".

وأعرب غراي عن شعوره بالارتياح لأنه ليس في روسيا حيث "تتلفت دائما وراءك".

ولكنه يشعر بالقلق من حدوث تغير في الدولة القوقازية، موضحا أنه من المهم لجورجيا أن تستمر في إجراء نقاش سياسي والحق في الاحتجاج على عكس بلاده.

اوس/شي/ود

Agence France-Presse ©