ريشي أينغار

تعبير أميركي جديد عن "القوّة الناعمة"

20 أيار 2024

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

مشهد من مسلسل Body Problem 3

تكثر البيانات التي يمكن استعمالها لتفصيل مسار التراجع الأميركي المزعوم، بدءاً من تدهور وضع السياسة المحلية. في تشرين الثاني المقبل، سيضطر الناخبون للاختيار بين الرئيس جو بايدن والرئيس السابق دونالد ترامب الذي واجه محاولات عزل مرتَين. يعتبر الكثيرون بايدن متقدماً في السن لدرجة أن يعجز عن حُكم بلدٍ يواجه مشكلات مفرطة، وقد أثبتت الانتخابات الأولية في الفترة الأخيرة أنه يواجه أيضاً شكلاً من التمرّد وسط قاعدة الناخبين الديموقراطيين بسبب عدم استعداده لكبح أفعال إسرائيل بعد ارتفاع حصيلة القتلى على نحو مريع، نتيجة استمرار الهجوم الإسرائيلي وظهور شبح المجاعة في غزة.



اليوم، تسعى الولايات المتحدة إلى إطلاق مرحلة انتقالية خضراء، لكنها تعجز عن تصنيع ألواح شمسية أو سيارات كهربائية قادرة على منافسة السلع الأجنبية من دون فرض تدابير حماية صارمة. يريد البلد أن يصبح رائداً في تصنيع المعالِجات الدقيقة المتقدمة، لكن يبدو أن أحداً لم يتصوّر تحقيق هذا الهدف من دون إعانات حكومية ضخمة. كذلك، تريد الولايات المتحدة أن تحافظ على تفوّقها العسكري، لكنها تبقى متأخرة عن الصين في وتيرة صناعة السفن وبعض أنظمة التسلّح المتقدمة الأخرى، رغم إنفاقها المال على الجيش أكثر من البلدان العشرة التي تأتي بعدها مُجتمعةً.

رغم هذه البداية التشاؤمية، لا تهدف هذه المقالة إلى انتقاد التراجع الأميركي. تبرز مؤشرات إيجابية حول استمرارية القوة الأميركية بقدر المؤشرات السلبية. بقيت حصة الولايات المتحدة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي ثابتة نسبياً خلال معظم فترات هذا القرن، وهي تبلغ في الوقت الراهن أقل من 25 في المئة بقليل: إنه رقم لافت بالنسبة إلى بلد يشمل أقل من 5 في المئة من سكان العالم. في الوقت نفسه، لا يزال العالم يحسد الولايات المتحدة على جامعاتها التي تحوّلت إلى ساحة معركة للحروب الثقافية الشرسة محلياً. وبسبب موجات الهجرة، التي تشكّل مصدراً آخر للصراعات الداخلية المتواصلة، ستتراجع الضغوط الديموغرافية التي تواجهها الولايات المتحدة مقارنةً بمنافسيها بسبب شيخوخة السكان أو انخفاض العدد السكاني.

لكني لاحظتُ في الأسابيع الأخيرة ظاهرة أكثر إبهاراً من معالم القوة الأميركية الأخرى، وتنبثق مؤشراتها من مصدر غير مألوف لتقييم القوة: شاشة التلفزيون الذكي الضخمة.

أكثر ما لفت نظري في هذه الأداة المنتشرة في كل مكان هو ظهور منتج ثقافي جديد وتعبير غير مسبوق عن «القوة الناعمة». أنا أتكلم عن مسلسلَين تلفزيونيَين جديدَين يختلفان عن الأعمال الأخرى من حيث الحجم والطموح. يقدّم مسلسلا Shogun (القائد العسكري) و3 Body Problem (مشكلة الأجسام الثلاثة) قصصاً أسطورية تعود جذورها إلى آسيا، بما يختلف عن التاريخ الغربي المألوف والثقافة الغربية الشائعة. إنها قصص نادرة جداً في عالم الترفيه الأميركي، فهي تحرص على عرض تفاصيل دقيقة عن حقبات زمنية غابرة وتتّسم بنوعٍ من الأصالة اللغوية.

لا أعرف بوجود نماذج مماثلة من إنتاجات أوروبية ترتكز على قصص ملحمية قديمة تشتق من ثقافات غير غربية، وتستهدف عامة الناس، وتقدّم هذه المساحة الواسعة لشخصيات ولغات غير غربية. ينطبق الوضع نفسه على الأفلام الصينية، أو اليابانية، أو الهندية، أو أي أعمال سينمائية وتلفزيونية غير غربية بارزة. لستُ مطّلعاً أيضاً على أي أعمال حاولت أن تعرض محتوىً يتجاوز زمن الحاضر، ويخرج من الإطار الثقافي المألوف، ويأخذ عناء تقديم هذا الكمّ من التفاصيل الثقافية.

أعرف أن مسلسل Shogun مقتبس من رواية نشرها الكاتب البريطاني المولود في أستراليا جيمس كلافيل في العام 1975. قد يظن البعض أن هذه المعلومة تدحض كل ما قلتُه سابقاً، لكن على عكس المسلسل القصير الذي عرضته قناة «أن بي سي» في العام 1980، تُركّز هذه النسخة على ممثلين وكتّاب يابانيين تكمن خبرتهم الحقيقية في تقديم أعمال درامية عن بلدهم في حقبات زمنية غابرة، وهم يقدّمون تلك الأعمال بأعلى درجات الدقة والتميّز.

هذه المقالة لا تطرح تقييماً أو انتقاداً للأعمال التلفزيونية، بل إنها أقرب إلى تعليق ثقافي. لكن يجب أن أعترف بنقاط الاختلاف بين هذين المسلسلَين النموذجيَين وطموحات عالم الترفيه الأميركي وقدرة البلد على استعمال القوة الناعمة التي بدأت تتوسّع بدل أن تحافظ على مستوى مستقر. على عكس مسلسل Shogun المقتبس من رواية أصلية كتبها رجل غربي، يشتق مسلسل 3 Body Problem من قصة صينية حديثة تدخل في خانة الخيال العلمي. لكن تتعدد الأسباب التي تمنعني من اعتبار تحويلها إلى مسلسل يُعرَض على شبكة «نتفليكس» مشروعاً آسراً بقدر النسخة اليابانية التاريخية Shogun.

يبدأ مسلسل 3 Body Problem بعرض واحد من أقوى المشاهد الدرامية عن الثورة الثقافية الصينية: امتدت هذه الحقبة على عشر سنوات وترافقت مع حملة شبه فوضوية سمحت بها السلطات الرسمية، فقد أطلقها ماو تسي تونغ وأقرب أعوانه بين العامين 1966 و1976. تشمل المشاهد الأولى المضايقات العامة المريعة أو «مرحلة الكفاح» ضد عالِم فيزياء بارع لا تتماشى نظرياته مع أفكار ماركس ولينين وماو تسي تونغ. صُوّرت كلّ المشاهد باللغة الصينية وشاركت فيها حشود صينية، ما يعطي العمل أعلى درجات الصدقية. يصدر هذا التقييم من شخصٍ يجيد اللغة الصينية وسبق ونشر كتباً عن تاريخ البلد وعن اليابان أيضاً. تبدو طريقة تجسيد الحملات الإيديولوجية العقابية ضد العلماء الصينيين الذين أرادوا البحث عن المعارف بأي ثمن، بدل دعم النظام والخضوع له، مأخوذة من صفحات مذكرات قوية كتبها فانغ ليجي، بعنوانThe Most Wanted Man in China: My Journey From Scientist to Enemy of the State (الرجل المطلوب الأول في الصين: رحلتي من عالِم إلى عدو الدولة). كان ليجي أهم عالِم في الفيزياء الفلكية قبل أن يضطر للعيش في المنفى.

تُذكّرني ردود الأفعال العدائية من بعض الناس في الصين على المشاهد الأولى من مسلسل 3 Body Problem بعبارة ساخرة وشهيرة للكاتب لاروشفوكو، فهو قال يوماً: «النفاق هو التكريم الذي تمنحه الرذيلة للفضيلة». تصدر هذه الانتقادات الشائعة من أشخاصٍ قد يبحثون عن طرق بديلة لمشاهدة المسلسل لأنه لم يُعرَض في الصين لأسباب سياسية ولن يُعرَض فيها لاحقاً على الأرجح. لا يتعلق السبب بوجود معلومات خاطئة في هذا المسلسل القصير على «نتفليكس»، بل إنه يعكس المشهد الصيني على أكمل وجه. ربما يقضي أفضل ردّ بأن تنتج الصين نُسَخاً درامية واقعية خاصة بها وتُحضّر أعمالاً وثائقية دقيقة عن تلك المرحلة الحاسمة من التاريخ، حيث قُتِل حوالى مليونَي شخص. لكن لن تسمح الرقابة الرسمية بتمرير مشروع مماثل طبعاً.

ردّاً على سؤال حول الغضب الذي أثارته شبكة «نتفليكس» بعد عرض قصة صينية «خاطئة»، كتب أحد المعلّقين على مواقع التواصل الاجتماعي في الصين: «تلك الحقبة تركت جرحاً عميقاً في تاريخ البلد. ما يحصل أمر سخيف. إذا لم نواجه تاريخنا بطريقة مباشرة، كيف يمكن أن نبني مستقبلنا؟».

بالإضافة إلى بعض الشخصيات السطحية والحوارات الباهتة، أظن أن أكبر مشكلة في هذا المسلسل القصير تتعلق بسوء الخيارات التمثيلية. يُعتبر هذا الخلل تقليدياً وراسخاً في عالم الترفيه الغربي، وهو يُضعِف صدقية الأعمال عند تقديم أي قصة غير غربية. كتب لو سيكسين، في روايته الأصلية The Three-Body Problem، شخصيات صينية. لكن يبدو أن القيّمين على شبكة «نتفليكس» افترضوا أن الجماهير الغربية تعجز عن مشاهدة شخصيات صينية على مر حلقات متلاحقة لأسباب تجارية، ما دفعهم إلى تصوير معظم أحداث القصة في لندن والاستعانة بممثلين غربيين.

يكفي أن نقارن هذه الخيارات بالقرارات التي اتخذها صانعو مسلسل Shogun. يشمل هذا المسلسل أيضاً شخصية غربية تقدّم دوراً بارزاً. يتماشى هذا الخيار مع مصدر القصة، أي رواية كلافيل التي نُشِرت منذ خمسين سنة تقريباً. لكن على عكس الإنتاج الأصلي، تضع النسخة الجديدة تلك الشخصية في خلفية القصة لدرجة أن نتساءل أحياناً عن أهميتها في هذه الحكاية. إذا كانت خبرتي كمشاهِد متعطّش لهذا النوع من الأعمال تعكس ردود أفعال معظم شرائح الجمهور، قد يجيب الأسلوب السردي في مسلسل Shogun على السؤال الذي يطرحه صانعو 3 Body Problem قبل أن يتراجعوا عنه في نهاية المطاف: هل يمكن أن تتقبّل الجماهير الغربية أعمالاً من بطولة ممثلين غير غربيين؟

إذا نجح عالم الترفيه الأميركي في تجاوز هذا التحفظ العرقي الكامن، ستتلاشى كافة الحواجز المتبقية أمام عرض هذا النوع من الأعمال. يمكن كسب فئات جديدة من الجماهير في مختلف قارات العالم عبر تقديم قصص صادقة عن حقبات درامية من التاريخ، من دون الحاجة إلى التركيز على الغربيين، أو عبر إبقاء دورهم محدوداً على الأقل.

MISS 3