«تأثيرك سيئ جداً»! تختصر هوية من يقول هذه العبارة قوة فيلم Emily the Criminal (إيميلي المجرمة) من كتابة وإخراج جون باتون فورد ومن بطولة أوبري بلازا. تدور الأحداث في أجواء صاخبة ومشوّقة، ويطرح الفيلم نظرة قاتمة عن «أرض الفرص». إنها أول تجربة إخراجية لجون باتون الذي يقدّم عملاً مبهراً بمعنى الكلمة.
«إيميلي» شخصية مميزة، لكنها تُمثّل الصراعات التي يعيشها أبناء جيلها أيضاً. هي قصدت كلية فنون مكلفة ونالت شهادة في فن التصوير، لكن تراكمت الديون عليها مع مرور الوقت. هي تعجز عن تسديد ديونها بأي طريقة. تحمل «إيميلي» سجلاً سيئاً، فهي اتُهِمت بالقيادة تحت تأثير الكحول حين كانت في الجامعة، وتم اعتقالها أيضاً بتهمة الاعتداء، ما يعني أنها تعجز عن تقديم طلبٍ لنيل وظيفة «حقيقية». هي تعمل كمتعهدة في شركة لتسليم الطعام، حيث يستطيع رب عملها أن يخصم راتبها بلا سابق إنذار. حتى أنها تحصل على عرض لتلقي تدريب واعد، لكن من دون أي مقابل مادي. لا تستطيع «إيميلي» أن تتحمّل عدم تلقي أي راتب طوال خمسة أشهر، فتصل إلى طريق مسدود إلى أن يُعرّفها أحد زملائها على ممارسات الاحتيال عبر بطاقات الائتمان.
يجتمع عدد من الأشخاص في مستودع، حيث يخبرهم «يوسف» (ثيو روسي) بأن العملية التي يوشكون على تنفيذها غير قانونية لكنها آمنة. حتى أنه يسمح لكل من تزعجه هذه العمليات بالاستسلام والانسحاب. يبدو أسلوبه هادئاً ولطيفاً وهو كافٍ لبث الثقة في نفوس الآخرين. تحصل «إيميلي» على رخصة مزيّفة وبطاقة ائتمان مزيّفة، وتتلقى تعليمات حول السلع التي يمكن شراؤها قبل إعادة بيعها في السوق السوداء. في مرحلة لاحقة، يتطور عمل «إيميلي»، فيعطيها «يوسف» صاعقاً كهربائياً لحماية نفسها وهاتفاً لا يكشف هويتها. ثم يُعلّمها طريقة صنع بطاقات الائتمان، وسرعان ما تتقن هذه العملية وتدمن على جني المال كونها تتوق إلى التخلص من ديونها. في غضون ذلك، تُلوّح صديقتها «ليز» من كلية الفنون (ميغالين إيشيكونووك) بأنها ستتابع التوصية بـ»إيميلي» كي تعمل كمصمّمة غرافيك في وكالتها الإعلانية، ما يؤكد على الفجوة الهائلة بين ظروف الصديقتَين.
حين تزداد المخاطر التي يطرحها هذا العمل، تظهر حقيقة «إيميلي» وتُذكّرنا بمشهد البداية حيث تنجح هذه الشابة في تغيير مسار مقابلة عمل فاشلة. هي لا تتخذ موقفاً دفاعياً في أي لحظة، بل تهاجم الطرف الآخر في أسرع وقت. حتى أنها قد تصبح مخيفة حين تقرر الرد على الآخرين. هي معجبة بشخصية «يوسف»، مهاجر من لبنان يحمل أحلاماً كبرى، وهو يبادلها الإعجاب أيضاً. يبدو الجانب المتعلق بعمليات الاحتيال عبر بطاقات الائتمان مبهراً في هذه القصة، فهو يتعمّق في عالم «التسوّق الوهمي». لكن يبقى أداء أوبري بلازا المذهل وغير المتوقع نقطة قوة الفيلم.
تجيد أوبري بلازا تقديم جميع الأدوار ولا تتردد في أخذ المجازفات. قد يبدو أداؤها فكاهياً حيناً ومضطرباً أحياناً. هي تُغيّره بحسب سياق القصة التي تشارك فيها. نجحت بلازا في ترك بصمتها في مساحتها الخاصة. هي لا تدين لهذا القطاع بشيء ولا تلتزم بمتطلباته، على عكس عدد كبير من أشهر الممثلات، بل تشعر بحرّية كافية للمشاركة في هذا النوع من الأفلام ولا تمانع في التعامل مع مخرجٍ يخوض تجربته الأولى. تُعبّر هذه النزعة عن اقتناعها بالمشروع وتعكس اهتماماتها كممثلة أيضاً. هذا السلوك ليس شكلاً من التملّق، بل إنه انعكاس لقناعاتها الشخصية.
نادراً ما يتسنى للممثلات تقديم أدوار شريرة بهذه القوة. شخصية «إيميلي» ليست من النوع الذي يسهل التعلّق به، لكن لا مفر من تشجيعها في مرحلة معيّنة. في الوقت نفسه، يبدو الرابط الذي يجمع «يوسف» و»إيميلي» مثيراً للاهتمام بفضل الكيمياء المميزة بين بلازا وروسي. في عالمٍ مختلف أو في زمنٍ آخر، كان يسهل أن يتحول هذا العمل إلى دراما رومانسية مشابهة لفيلم Rust and Bone (الصدأ والعظام)، فيجمع بين الرومانسية، والإجرام، والانقسامات الطبقية، والمعضلات الأخلاقية. لكن تدور الأحداث هذه المرة في زمنٍ قاتم وشائك، ما يعني أن المشاكل المطروحة تحمل طابعاً خطيراً. تعيش الشخصيات وسط نظامٍ فاسد، لكن لا تهدر «إيميلي» وقتها للتعامل مع المسائل الأخلاقية. هي تعني ما تقوله حين تصرخ بنبرة غاضبة: «الأوغاد سيتابعون سرقتنا إلى أن نفرض عليهم قواعدنا».