لم تكن حفلة Ibeyi في "الميوزيك هول"، بدعوة من المركز الثقافي الفرنسي في لبنان و French Vibes وبنك الامارات في لبنان، اعتيادية بالمعنى التقليدي للكلمة. مسرحٌ بسيط يضمّ بضع آلات موسيقية بعضها قبلي كنوع من الطبول لا تراه الا في الفيديو كليبات الافريقية. خلفية سوداء كبيرة تتوسّطها شاشة فيديو تبثّ مناظر طبيعية أحياناً وأشكالاً هندسية طوراً، ثم صوتان ينطلقان بتناغم وانسجام من خلف الكواليس ليقتحم بعدها التوأم IBEYI (تعني "التوأم" بلغة "اليوربا" الاثنية) ليزا وناعومي المسرح بخفة ورشاقة.
لا غرابة في انّ الامسية تميّزت برحلةٍ روحانية، وايقاعات افريقية حالمة تحملك نحو فضاءاتٍ لا تألفها عادةً في الحفلات الموسيقية التقليدية. فالتوأم الذي انطلق بموسيقاه في العام 2014، حصد شهرةً لا مثيل لها خصوصاً أنّ اسلوبه مبتكر للغاية كون التوأم وحده يحتل المسرح فهو يغني ويعزف من دون رفقة موسيقيين. حيا التوأم الجمهور وأعلن عن سعادته لزيارة لبنان للمرة الأولى قائلاً إنه يتمنى أن يكون عند حسن ظن الجمهور. وانطلقت الامسية بأغنية I wanna be like you (أريد أن أكون مثلك) التي كتبتها ليزا لأختها ناعومي.
الأمسية بمجملها حملت رسائل اجتماعية على أكثر من صعيد، وهذا ليس بغريب على توأم لأمٍ مغنية فرنسية - فنزويلية ووالد كان عازفاً كوبياً. فقد نشأ التوأم على قيم محاربة الظلم، وأفكار نضال النساء ذوات البشرة السوداء أو الملونة. وهكذا مضت الامسية من أغنية الى أخرى ومعظمها يحمل معانيَ عميقة تتحدّث عن الكيان، ومعضلة الوجود والظلم والمكافحة للبقاء وإثبات الذات. ولعلّ أبرزها أغنية كتبها التوأم عقب الانتخابات الاميركية التي أسفرت عن انتخاب دونالد ترامب. شرحت ناعومي أنها كتبتها لسخطها من العبارة التي استخدمها الرئيس بشأن النساء ذات يوم والتي أثارت ضجة في أميركا أثناء حملته الانتخابية حين قال إنه يهوى لمس النساء في أماكنهن الحميمة. تبدأ الأغنية بتصريح لميشيل أوباما وهي تؤكد أنّ قيمة أي مجتمع إنما تكمن في طريقة معاملته لنسائه،No man is big enoughfor my arms (ما من رجل بسعة ذراعيّ) تقول لازمة الاغنية ردّدها التوأم مرات ومرات وحرص على أن يردّدها الجمهور من دون مرافقة موسيقية.
في المحصلة كانت أمسية مميّزة، طغى فيها الصوت واللحن والكلمة على الابهار البصري. بساطة في الأداء والرقص والتفاعل مع الجمهور الذي مسّته عفوية التوأم الصارخة فترك مقاعده ليظل واقفاً لساعات قرب المنصة متمايلاً على وقع الأغنيات. هي فعلاً أمسية غير مألوفة تماماً مثل الفرق التي يحب الفترياديس استقدامها الى مسارحه: تلك التي تبهرك بنكهاتٍ لم تعهدها سابقاً!