تكشف تقنيات تصوير جديدة وقوية أن البشر بدأوا بتصنيع أسلحة صيد معقّدة من الخشب قبل 300 ألف سنة، ولا يتماشى هذا الاكتشاف مع الصورة النمطيّة الشائعة عن العصر الحجري. سبق واشتبه علماء الآثار بنزعة البشر إلى استعمال أسلحة خشبية منذ أن راحوا يستخدمون الأدوات الحجرية على الأقل. لكن نظراً إلى طبيعة الخشب الهشّة، تعفّنت معظم الأدلّة التي تثبت هذه الممارسات.
استعمل عالِم الآثار ديرك ليدر وفريقه من «مكتب ولاية ساكسونيا السفلى للتراث الثقافي» الفحص المجهري الثلاثي الأبعاد وتقنيات التصوير المقطعي المجهريّ حديثاً لتحليل 187 قطعة أثرية خشبيّة من منطقة «شونينغن» في ألمانيا للتأكّد من تلك الشكوك.
تحمل هذه الأدوات أدلّة واضحة على تقنية تقطيع اعتُبِرت سابقاً حكراً على البشر المعاصرين، بالإضافة إلى مؤشرات أخرى على مظاهر النحت، والكشط، والتآكل.
يُشير استعمال الخشب بالمستوى الذي اكتشفه العلماء إلى عملية بطيئة ومتعدّدة الخطوات، وهي تتطلّب أعلى درجات الصبر والتفكير العميق. كذلك، يتزامن عمر الأدوات مع فترة ظهور جماعات النياندرتال وهيمنتها على أوروبا، فتفوّقت حينها على أجناس البشر التي سبقتها. في الوقت نفسه، تشمل منطقة «شونينغن» أدلّة على وجود 25 حيواناً مذبوحاً، معظمها من الأحصنة.
تبيّن أن البشر قبل عصر الإنسان العاقل صنعوا أدوات وأسلحة لاصطياد حيوانات كبرى. هم لم يتواصلوا في ما بينهم للإيقاع بالفريسة فحسب، بل كانوا ماهرين بما يكفي لتنظيم عمليات الذبح والشواء أيضاً.
برأي الباحثين، تبدو هذه القدرات القوية في مجال الصيد أقدم من القطع الأثرية الخشبية الموجودة في «شونينغن». سهّلت تلك المهارات على البشر القدامى الحصول على مصادر غذائية عالية الجودة طوال أجيال، ما يفسّر زيادة نموّ أدمغتهم والمهارات المعرفية المرتبطة بها.
كان مفاجئاً أن يكتشف الباحثون أيضاً أدلّة على حصول عمليات إعادة تدوير، فقد خضعت الأدوات المكسورة أو الشائبة للتعديل واستُعمِلت لغايات مختلفة.
يستنتج الباحثون إذاً أن دراستهم تطرح أفكاراً استثنائية عن تقنيات النجارة في عصر البليستوسين. تجسّد أسلحة الصيد الخشبية في منطقة «شونينغن» التداخل القائم بين التعقيدات التكنولوجية، وسلوك الناس، والتطوّر البشري.