إذا كانت "مي تو" على كل شفة ولسان في مهرجان كان، فإن الوسط السينمائي في إيطاليا لا يزال يلوذ إلى حد كبير بالصمت، وتندر الشهادات في هذا الشأن، إلا أن الأمور بدأت تتحرك رغم "ثقافة الصمت" هذه والنظام الذكوري الذي لا يزال طاغياً.
فلحركة "مي تو" في السسينما الفرنسية أصواتها ووجوهها، من أديل إينيل إلى جوديت غودريش، ولكن من الصعب في المقابل العثور على نظيرات لهنّ في البلد الذي أعطى الفن السابع نجمات تاريخيات، كصوفيا لورين وجينا لولوبريجيدا وكلوديا كاردينالي ومونيكا بيلونشي ومونيكا فيتي.
والواقع أن لحركة "مي تو" في إيطاليا "مساراً مختلفاً عما هو قائم في بلدان أخرى"، على ما لاحظت تشينزا سبانو، رئيسة جمعية "أمليتا" التي أنشأتها ممثلات عام 2021 لمحاربة "العنف القائم على النوع الاجتماعي" في عالم فنون الأداء، وتعزيز موقع النساء فيه.
ورأت هذه المؤلفة والكاتبة المسرحية أن "الأسماء والشهادات تجد صعوبة في البروز، لأن ثمة ثقافة صمت وعدوانية سائدة تجاه" اللواتي تعرّضن لاعتداءات.
في أعقاب حملة "مي تو" الأميركية، استُحدث وسم إيطالي هو quellavoltache# ("تلك المرة عندما...") ونُشِرت شهادات في وسائل الإعلام تتضمن اتهامات لمخرجين ومنتجين.
ومع ذلك، فإن "هذه الشهادات لم تُثر عملية تفكير ولا حظيَت بالتفاعل المنتظر من القطاع والمؤسسات"، بحسب دوميتسيا دي روزا من جمعية "النساء في السينما والتلفزيون والإعلام" الإيطالية.
وطالت الاتهامات عدداً من الرجال، لكنّ أية إجراءات قانونية لم تُتخذ في صددها. ما خلا بعض الاستثناءات النادرة، كالحكم عام 2023 بالحبس 11 عاماً وتسعة أشهر على كلاوديو ماريني الذي كان يدّعي أنه مخرج، ويجري اختبارات مزيّفة للممثلات الشابات تتيح له الاعتداء عليهنّ جنسياً.
وفي ظل عدم إثارة هذه الشهادات الأولى ردّ فعل قوياً في المجتمع وغياب اي تحرّك للقضاء إزاءها، أدّت إلى مفعول عكسي، إذ كانت "مثبطة" للعكثير من النساء اللواتي صرفن النظر عن ملاحقة المعتدين عليهنّ، على ما لاحظت دوميتسيا دي روزا.
ولم تشأ نساء كثيرات وعدد من الجمعيات الإدلاء بشهاداتهن لوكالة فرانس برس، حتى مع تعهّد عدم ذكر أسمائهنّ.
- "رجعية جداً" -
ووافقت ممثلة واحدة فحسب على أن تروي لوكالة فرانس برس، بشرط عدم الإفصاح عن هويتها، كيف اعتدى عليها مخرج يكبرها بعشرين عاما بعدما تواعد معها في حانة بداعي إجراء اختبار تمثيل لها.
وقالت: "وصل إلى الحانة ولم يكن معه أي نص، ولم يتحدث معي إلا عن الأمور الشخصية. كان الأمر محرجًاً. ثم أصرّ على اصطحابي إلى المنزل على دراجة +سكوتر+ نارية، فوافقت، ولكن ما إن ترجلت منها، حتى اندفع نحوي وحاول تقبيلي، وانتهت الأمور عند هذا الحد، فعدت إلى المنزل باكيةً لأنني شعرت بالذنب والغباء، ولم أعرف عنه أو عن الفيلم شيئاً بعد ذلك".
وجمعت جمعية "أمليتا" ما بين 2021 و2023 شهادات 223 ضحية للاعتداءات الجنسية في وسط الفنون الأدائية، من بينهم 207 نساء، لكنّ أحداً من هؤلاء لم يرغب ايضاً في التحدث علناً عمّا تعرّض له.
واسفت المحامية فيرجينيا داسكانيو التي تُعنى يقضايا ضحايا العنف الجنسي، لعدم إدراج مفهوم الرضى في قانون العقوبات الإيطالي. ومن الضروري تالياً تقديم أدلّة ملموسة أكثر على أن الفعل الجنسي لم يكن مرغوبا فيه.
واعتبرت أن "وجوب إثبات غياب الموافقة أو توافُرها في كل مرة، أمر شاق جداً".
لكنّ المحامية أكّدت أن ثمة "أدوات" قانونية متاحة رغم ذلك، وأن التحدي يكمن أولا وقبل كل شيء في تغيير العقليات، إذ أن "القانون مرآة المجتمع"، على قولها.
بَيدَ أن إيطاليا "رجعية جداً" في هذا المجال، بحسب فرانشيسكا دي مارتيني، من مجلس إدارة الاتحاد الوطني لممثلي المسرح والوسائل السمعية والبصرية، لكنها لم تفقد تفاؤلها، إذ رأت أن "جيل الشباب أكثر اهتماما بهذه المسائل".
ووصفت مساعِدة المخرج فالنتينا فينتشنسيني الحضور الأكبر للنساء في الصناعة السينمائية بأنه علامة مشجعة. وقالت "هناك عدد أكبر من النساء في مجال الإنتاج، وثمة مخرجات أيضاً، أشعر براحة أكبر في بيئة عملي مما كنت أشعر به قبل عشر سنوات".
وشدّدت النساء اللواتي استصرحتهنّ وكالة فرانس برس على أهمية دور الجمعيات كوسيلة لإبراز ما تعرّضت له الضحايا.
وبدأت الأمور تتغير بالفعل على الشاشة، إذ أصبح موضوعا العنف الجنسي وحقوق المرأة حاضرين أكثر مما كانا سابقاً.
وقد حقق فيلم عن امرأة معنّفة أخرجته امرأة هي باولا كورتيليسي، نجاحاً باهراً في العام الفائت، إذ بلغ عدد الذين حضروا "سي أنكورا دوماني" C'è ancora domani في إيطاليا نحو خمسة ملايين ونصف مليون.
وساهمت في إعطاء الفيلم زخماً أكبر الصدمة التي أحدثها بعد أسابيع من انطلاق عروضه مقتل الطالبة جوليا تشيكيتين البالغة 22 عاماً على يد صديقها السابق.
ستر/ب ح/نور
Agence France-Presse ©