ديفيد روزنبيرغ

إسرائيل دولة منبوذة بسبب حرب غزة؟

24 أيار 2024

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

متظاهرون يغلقون شارع فاسار بالقرب من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج

إذا كانت إسرائيل تحتاج إلى أدلّة إضافية على تحوّلها السريع إلى دولة منبوذة عالمياً بسبب حرب غزة، جاء موقف المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان، يوم الإثنين الماضي، ليمنحها الدليل الذي تبحث عنه، فقد قال إنه بصدد إصدار مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت.



قد يواسي الإسرائيليون وداعموهم أنفسهم لأن خان يسعى أيضاً إلى إصدار مذكرات اعتقال بحق قادة حركة «حماس» يحيى السنوار، واسماعيل هنية، ومحمد الضيف، ما يعني أن «حماس» لن تنجو من تُهَم مزعومة حول ارتكابها جرائم حرب. لكن لا يمكن أن يُسَرّ أحد بمساواة دولة بتنظيم مسلّح من الناحية الأخلاقية.

الأهم من ذلك هو تأثير مذكرات الاعتقال على إسرائيل. باستثناء تلقي الأسلحة من إيران والأموال النقدية من قطر، تتراجع روابط «حماس» مع العالم الخارجي. في المقابل، تبدو روابط إسرائيل مع العالم عميقة عن طريق التجارة، والاستثمارات، والسفر، وحتى العلاقات الثقافية، والأكاديمية، والعلمية. لن تتعثر رحلات السفر التي يخطط لها نتنياهو بسبب مذكرة الاعتقال فحسب، بل إن صورة البلد كله ستتخذ منحى قاتماً. ستصبح إسرائيل أول ديموقراطية غربية تتلطّخ سمعتها الأخلاقية باعتبارها دولة هاربة من القانون الدولي.

تختصر خطوة المحكمة الجنائية الدولية التحديات المطروحة على إسرائيل فيما تواجه حربها في غزة انتقادات دولية متزايدة. أطلقت تلك الانتقادات حركة شعبية في معظم دول الغرب بهدف عزل إسرائيل. لكن هل ستسمح مذكرات الاعتقال الصادرة عن المحكمة بتوسيع الموجة المعادية لإسرائيل واكتساب زخم متواصل؟ وهل سينقلب الرأي العام ضد إسرائيل بشكلٍ نهائي؟ وهل سيعتبر المستثمرون والشركات المتعدّدة الجنسيات إسرائيل منبوذة بعد صدور مذكرات الاعتقال؟ وهل ستفرض الحكومات أي عقوبات اقتصادية؟

الأمر المؤكد الوحيد هو تحوّل إسرائيل إلى كيان أكثر ضعفاً في وجه أبسط أشكال المقاطعة، والعقوبات، وسحب الاستثمارات، مقارنةً بكلّ البلدان الأخرى التي أصبحت في مرمى نيران المحكمة الجنائية الدولية يوماً.

إسرائيل دولة غنية لكنها صغيرة، ولا يمكن أن تتقبّل سوقها إنتاج معظم ما تحتاج إليه محلياً من سيارات أو وقود لتشغيلها، أو فولاذ للبناء، أو هواتف ذكية. تشكّل التجارة الخارجية 61 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وخلال معظم فترات العقد الماضي، تجاوزت نسبة الاستثمارات الخارجية المباشرة عتبة الأربعة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بما يفوق المتوسط الذي تسجّله الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

على صعيد آخر، لطالما كان قطاع التكنولوجيا المتطورة محرّك النمو الاقتصادي في إسرائيل خلال آخر عقدَين وسرعان ما تحوّل إلى علامة تجارية وطنية، لكن لا يمكن فصله عن الاقتصاد المبني على العولمة. في آخر ثلاث سنوات، شكّلت الرساميل الخارجية مصدراً لمعظم الاستثمارات الإجمالية في الشركات المحلية الناشئة، وتُركّز شركات التكنولوجيا الإسرائيلية بالكامل على الأسواق الخارجية.

عندما هدّد الرئيس الأميركي جو بايدن في منتصف هذا الشهر، بوقف إرسال بعض الأسلحة إلى إسرائيل إذا قررت غزو رفح، تعهّد نتنياهو بأن يقاتل حتى النهاية، حتى لو اضطرّ بلده للوقوف وحيداً في هذه المعركة. لكن يبقى هذا الوعد فارغ المضمون. قد يكون قطاع الأسلحة كبيراً ومتطوّراً من الناحية التكنولوجية في إسرائيل، لكنه يعجز عن تلبية حاجات البلد إلى معدّات أساسية مثل الطائرات المقاتلة، والغوّاصات، والقنابل. استنزفت الحرب ضد حركة «حماس» في غزة كميات هائلة من الذخائر التي قدّمتها الولايات المتحدة لإسرائيل، وجاءت هذه الأحداث لتزيد اتّكال البلد على الأميركيين. وإذا اضطر الإسرائيليون إلى مواجهة «حزب الله» في لبنان، سيحتاجون إلى المزيد من الأسلحة الأميركية.

حتى أبسط حملات المقاطعة على مستوى الاقتصاد أو الأسلحة قد تطرح تهديداً على إسرائيل، لكن لم يقترب البلد حتى الآن من مواجهة هذا النوع من المشكلات. اضطرت إسرائيل للتعامل مع أقوى الدعوات إلى المقاطعة وفرض العقوبات في الجامعات والأوساط الفنية والأدبية.

لكن لم تكن تلك الحملات مؤثرة جداً رغم التغطية الإعلامية التي حصدتها. عقدت 12 مؤسسة للتعليم العالي فقط اتفاقات مع قادة احتجاجات داعمة للفلسطينيين، بما في ذلك مطالبات بسحب الاستثمارات من الشركات التي تتعامل مع الجيش الإسرائيلي أو الحكومة الإسرائيلية، لكن لم تقم أي جامعات وكليات بالتزامات جدّية في هذا المجال. ما لم تتجدد الاحتجاجات بالزخم نفسه بعد عطلة الصيف وما لم تختفِ العوائق القانونية والمؤسسية، لن تتحقق تلك المطالب على الأرجح.

لكن بدأ تهديد أكثر خطورة يشتق من مقاطعة ضمنية وأكثر فعالية تستهدف الأكاديميين والفنانين والكتّاب الإسرائيليين من جانب نظرائهم. تُعتبر الأوساط الأكاديمية الإسرائيلية عالمية بقدر القطاع التكنولوجي، ومن المنطقي أن تتخبط في هذا العالم إذا بدأت الصحف ترفض نشر التقارير البحثية، وإذا أصبح العلماء غير مرحّب بهم في المؤتمرات، وإذا بات الحصول على الهبات والمِنَح مستحيلاً. تتعدّد التقارير التي تشير إلى ظهور هذه المشكلات منذ الآن.

في السياق نفسه، بدأ عدد من الكتّاب الإسرائيليين يخضع للرقابة (أبرزهم جوانا تشين التي سُحبِت مقالتها عن حرب غزة من مجلة «غيرنيكا» الأدبية). كذلك، أُلغِيت عروض ومعارض لبعض الفنانين الإسرائيليين. قد لا يحتاج الكتّاب والفنانون الإسرائيليون إلى العالم أجمع بقدر الأكاديميين، لكن تبقى الصدمة النفسية التي يتعرضون لها كبيرة لأنهم يميلون جماعياً إلى انتقاد حكومتهم.

لكن لم تتّضح بعد مدى قدرة منتقدي إسرائيل على تكثيف حملتهم وتحويلها إلى مقاطعة استهلاكية أو تجارية واسعة النطاق. لا يُعتبر الرأي العام الأميركي معادياً لإسرائيل. أجرى مركز «بيو» البحثي استطلاعاً في شهر آذار الماضي (بعد خمسة أشهر على بدء الحرب في غزة)، فتبيّن أن 58 في المئة من المشاركين يتفهمون، بالكامل أو جزئياً، الأسباب التي تدفع إسرائيل إلى القتال. ورغم سقوط حوالى 32 ألف قتيل فلسطيني، وفق أرقام وزارة الصحة التي تديرها «حماس» في غزة، اعتبر معظم المشاركين الأميركيين في الاستطلاع سلوك إسرائيل في الحرب مقبولاً. الأهم من ذلك هو ميل الأميركيين في عمر الخمسين وما فوق إلى دعم جهود الحرب الإسرائيلية أكثر من الفئات العمرية الأخرى (بين 67 و78 في المئة). وكانت النسبة المترددة في قرارها أدنى بكثير (بين 15 و22 في المئة).

لا يمكن التأكيد على حصول تغيير جذري في مواقف الرأي العام بعد اقتراح إصدار مذكرات اعتقال في المحكمة الجنائية الدولية، لكن من المتوقع أن تعزز هذه الخطوة المشاعر الداعمة للفلسطينيين والمعادية للإسرائيليين، وهي مواقف شائعة أصلاً في بعض المجتمعات. بالنسبة إلى فئات أخرى، شكّلت التحرّكات الإسرائيلية في قطاع غزة محور تغطية إعلامية مكثفة منذ بدء الحرب، ومن المستبعد أن تطرح المحكمة الجنائية الدولية أي أدلة دامغة وجديدة في هذا الملف.

قد تتردد بعض الشركات في التعامل مع إسرائيل من الآن فصاعداً، لكن تطرح العقوبات الرسمية أكبر المخاطر. تملك الحكومات صلاحية فرض تدابير جارفة دفعةً واحدة، لا سيما الحكومة الأميركية التي تستطيع استعمال الدولار لفرض إرادتها على العالم أجمع.

لكن تبدو إسرائيل آمنة حتى الآن على الأقل. كان الرد الأوروبي على تصريح خان مختلطاً وغير حماسي، واستنكرت إدارة بايدن الخطط المتعلقة بإصدار مذكرات اعتقال بحق كبار المسؤولين الإسرائيليين.

مع ذلك، لا يبدو مستقبل إسرائيل على المدى الطويل آمناً بالقدر نفسه. وسط الأميركيين بين عمر 18 و29 عاماً، يبقى الدعم لإسرائيل خلال الحرب أقل زخماً. تحمل أعداد إضافية من الناس في هذه الفئة العمرية نظرة إيجابية تجاه الفلسطينيين كشعب بحد ذاته أكثر من الإسرائيليين. وإذا استمرت هذه الآراء وسط الشبان مع تقدّمهم في السن ثم حملوا مواقفهم إلى أوساط السلطة والنفوذ (في حال بقيت العلاقات الإسرائيلية - الفلسطينية على حالها)، قد تواجه إسرائيل مرحلة شاقة.

ستصبح الكرة في ملعب إسرائيل خلال تلك السنوات المتداخلة. قد تحصل مثلاً على فرصة تعديل تصرفاتها، فتتمكن من استمالة الفئات الأخرى إذا عجزت عن حصد الدعم من أشرس مناصري الفلسطينيين.

لكن لا تبدو الحكومة الإسرائيلية الراهنة مستعدة أو قادرة على تحقيق هدف مماثل، لأن عناصرها اليمينيين المتطرفين هم الذين يحددون معظم السياسات، لا سيما تلك التي تتعلق باحتلال الضفة الغربية، ويدلي قادتها بتصريحات مثيرة للجدل، أو حتى صادمة أحياناً، ما يزيد عدائية الناشطين المناهضين لإسرائيل. برأي هؤلاء القادة المنتمين إلى اليمين المتطرف، يُفترض ألا تهدر إسرائيل الوقت للتفكير برأي العالم بها. لهذا السبب، اعتبر بتسلئيل سموتريش، وزير المال الإسرائيلي اليميني المتطرف، تصريح خان الأخير مثالاً جديداً على «النفاق والكراهية تجاه اليهود». لكن من دون تغيير الحكومة، قد تتحول إسرائيل فعلاً إلى دولة منبوذة، حتى أنها قد لا تحصل على فرصة مقاومة هذا الوضع المستجدّ.

MISS 3