يُمثّل تطوّر تكنولوجيا الصواريخ التي تفوق سرعتها سرعة الصوت تحوّلاً كبيراً في المشهد الاستراتيجي العالمي، والقفزة التكنولوجية الصاروخية تقرّبنا إلى عصرٍ جديد من الحروب بقدرتها على تعطيل توازنات القوى القائمة وإدخال الغموض الاستراتيجي، خصوصاً مع التقدّم السريع الذي حقّقته دول مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران، لإبراز القوّة على المستويَين الإقليمي والاستراتيجي، وتعزيز وضعها العسكري وتأثيرها على المسرح العالمي، وتزويد الدول الحليفة بالقدرة على شنّ هجمات من مسافة بعيدة.
ستكون أنظمة الكشف الفضائية حاسمة للكشف والدفاع ضدّ الصواريخ التي تفوق سرعتها سرعة الصوت وغيرها من التهديدات المتقدّمة، ويرتبط المجال الفضائي ارتباطاً جوهرياً بالدفاع الصاروخي من حيث التحذير وتتبّع الصواريخ والكشف عنها ضمن سيناريو النمو التكنولوجي الكبير في المستقبل. وفي الواقع، تمتلك الصين أكبر عدد من المنشآت الفضائية خارج أراضيها، ما يُثير التساؤلات حول دوافع الصين، وتحرّكها التكتيكي لتوسيع نطاق وصولها العسكري فضائيّاً، بسبب إفتقادها للقواعد العسكرية حول العالم نسبةً للقواعد الأميركية التي تطوّق الدول المعادية لها.
بدأت الصين نشاطها في الفضاء منذ 60 عاماً تقريباً، وقد تفوقت في هذا المجال، وتعمل حالياً على بناء مجموعة متكاملة من الأقمار الإصطناعية يطلق عليها اسم «اسمتشيوتشياو 2» لتأمين اتصال دائم بين الأرض والقمر، وبناء مجموعة أقمار إصطناعية متطورة جداً بحلول عام 2040 لدعم الخدمات من الاتصالات والملاحة البحرية والاستشعار عن بُعد.
في السنوات الأخيرة، كانت الولايات المتحدة صريحة في إثارة المخاوف في شأن هذه التطورات المرتبطة بما يُسمّى التهديد الصيني، وقد كشفت أخيراً وجود أكثر من 11 منشأة فضائية صينية في 5 دول في أميركا اللاتينية، بإدارة مباشرة وغير مباشرة من قِبل منظمات لها علاقات بجيش التحرير الشعبي، وتقع على الخط الفاصل بين الاستخدام المدني والتطبيقات العسكرية.
علاوة على القلق الأمني الأميركي، تثير هذه القدرات ذات الاستخدام المزدوج بطبيعتها مخاوف تتعلّق بالسيادة الوطنية والأمن القومي للدول المُضيفة، حيث تعدّ المحطات الأرضية جزءاً مهمّاً من البنية التحتية الفضائية التي تعتبر وصلات إتصالات أرضية للأقمار الإصطناعية الموجودة في المدار. ومن أهمّ المخاوف الرئيسية، إمكانية التأثير بشكل كبير على القيادة التشغيلية للصواريخ التي تفوق سرعتها سرعة الصوت من دول خارج الصين، ما يُملي مسؤوليات على الدول المُضيفة.
لإظهار التقدّم الذي أحرزته في مجال تفوّق سرعة صواريخها لسرعة الصوت، تضمّن إختبار الصين عام 2021 إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات. ويُؤشّر هذا الاختبار الأوّل من نوعه، إلى خطر وضع رؤوس حربية في مدار أرضي منخفض يُمكن توجيهها لضرب هدف مُحدّد، ما يُهدّد الأمن الإقليمي والدولي.
إن التطوير الاستراتيجي للصين لشبكة عالمية شاملة للمراقبة والتحكّم والتتبّع، والتي تضمّ الأصول الثابتة والمتنقّلة والبحرية، يُظهر التزامها بالحفاظ على سلسلة قيادة متواصلة على أصولها الفضائية. ويعدّ توسّع هذه الشبكة المقنّعة تحت ذريعة المساعي العلمية والتجارية حول العالم، أمراً بالغ الأهمية بالنسبة إلى الصين لتحقيق حضور قيادي في العمليات الفضائية والسيطرة في كلّ أنحاء العالم.
أبرز مثال على المخاوف العالمية في شأن عسكرة الأصول الفضائية المدنية، قطع مؤسّسة الفضاء السويدية في عام 2020 علاقاتها مع الصين بسبب مخاوف الاستخدام المزدوج، على الرغم من أن المواقع ستستمرّ في العمل حتّى تنتهي عقودها. وأشارت الشركة إلى المشهد الجيوسياسي المتغيّر، والصعوبات في التمييز بين الاستخدامات المدنية والعسكرية لهوائياتها، بالإضافة إلى الروابط مع هيئة التحكم العامة للإطلاق والتتبع في الصين، وهي كيان تابع لقوة الدعم الاستراتيجي التابعة بدورها لـ»جيش التحرير الشعبي الصيني».
وبالنظر إلى التحدّيات الأمنية الكبيرة التي يُمكن أن تُحدثها عسكرة الفضاء، تبرز حاجة إلى تعاون وحوار دولي قوي، بالإضافة إلى جهود متضافرة لتعزيز التحالفات الدفاعية، وتعزيز الابتكار التكنولوجي، وتعزيز إدارة الفضاء، بحيث يجب توسيع الارتباطات الثنائية في مجال أمن الفضاء، مثل تحالف «أوكوس» الاستراتيجي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة المخصّص لتعزيز القدرات العسكرية المتقدّمة، ومن ضمنها أمن الفضاء.
إنّ التخفيف من المخاطر المرتبطة بهذه المرافق ذات الاستخدام المزدوج والتهديدات المحتملة التي تُشكّلها الأسلحة التي تفوق سرعتها سرعة الصوت، يتطلّب تعاوناً ثنائيّاً وإقليميّاً أعمق. وينبغي لهذا التعاون أن يُعزّز الفهم المتبادل للمخاطر ونقاط الضعف المرتبطة بطبيعة البنية التحتية الفضائية. ومن خلال التبادل المنتظم والمفتوح، يُمكن للبلدان إزالة الغموض عن النوايا الكامنة وراء إنشاء مواقع يُديرها شركاء أجانب والعمل بشكل تعاوني لتطوير التدابير التي تمنع استغلالها لأغراض عسكرية هجومية. ويجب أن تؤدّي هذه العلاقات المتعمّقة إلى نتائج ملموسة، مثل تعزيز التحالفات الدفاعية، وجهود التطوير التكنولوجي، وتعزيز تدابير الحوكمة الوطنية والإقليمية.