لم يعد خافيًا على أحد أن أوروبا تسارع إلى تجهيز نفسها لمواجهة الأخطار المحدقة بها، سواء من داخل دولها أو من الأعداء والخصوم الجيوسياسيين في أنحاء العالم، خصوصًا روسيا والصين. ويدين الأوروبيون بذلك للرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي دفعهم دفعًا نحو زيادة موازناتهم الدفاعية منذ ولايته الأولى، علمًا أن الغزو الروسي لأوكرانيا جعل الكثير من الدول الأوروبية تعيد صياغة استراتيجيّاتها للأمن القومي لمواكبة التحدّيات الجسيمة التي تعصف بها.
في السياق، تواجه ألمانيا سلسلة من التهديدات على أراضيها، من تصاعد تدخّلات الصين وروسيا، إلى تنامي الجماعات المتطرّفة من اليمين واليسار على السواء، وفق ما أعلن وزير الداخلية الألماني ألكسندر دوبرندت، أمس، بالاستناد إلى تقرير لجهاز الأمن الداخلي. وقدّم دوبرندت في برلين التقرير السنوي للوكالة الفدرالية للأمن الداخلي، الذي نبّه إلى تزايد عمليات التخريب المنسوبة إلى روسيا والتجسّس الصيني والإسلاميين الذين يشتبه في تلقيهم دعمًا من إيران، فضلا عن النازيين الجدد المتشدّدين.
وحذّر دوبرندت من أن "أعداء نظامنا الليبرالي الديمقراطي هم من الخارج والداخل على السواء". وطالب بتدابير "سريعة جدًّا" لتوسيع صلاحيات الخدمات الاستخباراتية في البلاد والتخفيف من القيود على بعض الإجراءات التي تقيّد العمليات السرّية، وقال: "نظرًا إلى الوضع الحالي، نحن على قناعة بأنه ينبغي لنا تعزيز قدراتنا". وأكّد أن "أكبر تهديد خارجي يأتي حاليًا من روسيا"، مستشهدًا بأمثلة عن عملاء تلجأ إليهم موسكو في عمليات تجسّس وتخريب، فيما أوضح رئيس الوكالة الفدرالية للأمن الداخلي سينان سيلين أن روسيا "تعتبر ألمانيا خصمًا رئيسيًّا في أوروبا، وتحشد ما توفّر لها من وسائل في عمليات هجينة".
وبحسب برلين، تلجأ جهات خارجية أخرى إلى عمليات تخريب، فضلا عن تدخّلات اقتصادية وسياسية غير مشروعة، بما في ذلك اغتيالات ونشر المعلومات الزائفة. وتستهدف هذه العمليات، خصوصًا معارضين سياسيين يعيشون في المنفى بألمانيا، تتمّ مطاردتهم بوسائل ترقى إلى إرهاب دولة، كعمليات اعتداء واختطاف وقتل. وتشكّل معاداة السامية والعداء لإسرائيل "تحدّيًا كبيرًا" للسلطات الألمانية، إذ إن "الأهداف اليهودية والإسرائيلية تبقى أولوية لبعض الجهات من الدول، ولا سيّما إيران".
أمّا في المملكة المتحدة، فقد أعلن رئيس الوزراء المستقيل كير ستارمر أمس أن بريطانيا ستنفق مبلغًا "قياسيًا" يقارب 300 مليار جنيه إسترليني خلال السنوات الأربع المقبلة لتحديث قواتها المسلّحة في ظلّ المخاطر المتزايدة. وأفاد ستارمر عارضًا خطته لـ 10 سنوات للاستثمار في القطاع الدفاعي، بعد إرجاء الكشف عنها لأشهر، بتخصيص ميزانية إضافية للنفقات الدفاعية قدرها 15 مليار جنيه إسترليني على مدى أربع سنوات لتصل إلى نحو 300 مليار بحلول العام 2030.
وتنصّ الميزانية الجديدة على زيادة الإنفاق على المسيّرات والأنظمة الذاتية القيادة، في ضوء تبدّل طبيعة الحروب الحديثة. واعتبر ستارمر أن "هذا الاستثمار القياسي يضع أمن الشعب البريطاني أوّلا، من خلال تحويل قواتنا المسلّحة ومنحها التمويل والمعدّات التي تحتاجها للقتال والدفاع عن أمّتنا"، مشيرًا إلى أنها "إرث أفتخر به". وقال: "أنا على يقين من أنها القاعدة اللازمة ليستند إليها خلفي أيًّا كان". ووصف هذه الخطة التي يأمل أن تكون من ركائز إرثه السياسي، بأنها "استثمار يغيّر قواعد اللعبة". وعلّق المتحدّث باسم المعارضة المحافظة في شؤون الدفاع جيمس كارتليدج أن الخطة جاءت "ضئيلة جدًّا ومتأخرة جدًّا".
وبعد عام على تعهّدها التاريخي في لاهاي بزيادة إنفاقها الدفاعي، تواجه دول حلف "الناتو" هذه السنة خلال قمّتها المرتقبة في أنقرة تحدّيًا آخر يقضي بحمل القطاع الصناعي على إنتاج أسلحة بكميات كافية. ومع تدفق الأموال على الميزانيات الدفاعية، التي ارتفعت العام الماضي بمقدار 90 مليار دولار في أوروبا وكندا وحدهما، يكافح الحلف لتحويل هذه الأموال إلى قوة نارية. وقال الأمين العام للحلف مارك روته، إن "السيولة النقدية جوهرية، لكن لا يمكن وقف صاروخ أو دبابة بدولار أو بيورو". وأضاف: "علينا أن نحوّل الأموال إلى قدرات جاهزة للقتال، وبسرعة. هذه أولويتنا المشتركة". وفي ضوء ذلك، تتجه الشركات الأوروبية بأعداد متزايدة إلى تطوير شراكات مع الشركات الأوكرانية للاستفادة من خبرتها، ولا سيّما في قطاع المسيّرات.