ريشي أينغار

هل تُحقّق المحادثات الأميركية - الصينية أي نتيجة إيجابية؟

28 أيار 2024

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

الرئيس الأميركي جو بايدن ونظيره الصيني شي جينبينغ خلال اجتماع في ولاية كاليفورنيا - 15 تشرين الثاني 2023

خلال أسبوع واحد من هذا الشهر، عقدت الصين والولايات المتحدة اجتماعات ثنائية بدت نادرة في السنوات الأخيرة نظراً إلى تصاعد الصراع الديبلوماسي بين الطرفَين.

حصل الاجتماع الأول بين مبعوثَي المناخ الجديدَين في واشنطن، في 8 و9 أيار، وتطرق إلى المرحلة الانتقالية في قطاع الطاقة، وغازات الدفيئة، وإزالة الكربون، والالتزام بمتابعة «التبادلات التقنية والسياسية» في هذا الملف. وفي الأسبوع المقبل، من المنتظر أن يحصل اجتماع رفيع المستوى بين الطرفَين لمناقشة هذه المسائل في بيركلي، كاليفورنيا.

حصل الاجتماع الثاني في 14 أيار، في مكان أكثر حيادية (سويسرا) وركّز على مجال أكثر حداثة واضطراباً بالنسبة إلى التعاون الأميركي - الصيني. اجتمعت وفود من الحكومتَين في جنيف لإطلاق محادثات ثنائية حول الذكاء الاصطناعي بهدف تقليص المخاطر العالمية التي تطرحها أنظمته المتقدمة.

اعتبرت ملخصات الاجتماعَين القمة التي جمعت الرئيس الأميركي جو بايدن ونظيره الصيني شي جينبينغ في سان فرانسيسكو، في تشرين الثاني 2023، أساس هذه المحادثات، فقد اعتُبِر ذلك الحوار محاولة، ولو محدودة، لتذويب الجليد الديبلوماسي بين البلدين. رغم العداء الذي بات يطبع العلاقات الأميركية - الصينية في معظم فترات العقد الماضي، يهدف هذا النوع من المحاولات إلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة وإيجاد قواسم مشتركة في ملفات معيّنة. ظاهرياً، يدخل الذكاء الاصطناعي والمناخ في هذه الخانة.

تقول هيلين تونر، مديرة قسم الاستراتيجية والمِنَح البحثية التأسيسية في مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة في جامعة «جورج تاون»: «يترافق هذان الملفان حتماً مع آثار عابرة للحدود، ما يعني أن الولايات المتحدة والصين قد تجدان مصالح مشتركة في هذه الملفات التي تُعتبر من أبسط المسائل في الوقت الراهن».

لكن تبرز بعض الاختلافات الأساسية في هذين الملفَين، وهي تتعلق بأساس التعاون ونطاقه. بدأ الحوار في شأن المناخ بين الولايات المتحدة والصين منذ أكثر من عشر سنوات، ولطالما كان جزءاً من الجوانب الإيجابية النادرة في هذه العلاقة الثنائية المتدهورة. في المقابل، يبدو الذكاء الاصطناعي موضوعاً أكثر حساسية نظراً إلى أهمية التكنولوجيا في الصراع الأميركي - الصيني.

قبيل المحادثات في جنيف، قال مسؤول بارز في إدارة بايدن أمام الصحافيين: «وضعت الصين تطوير الذكاء الاصطناعي على رأس أولوياتها الوطنية، وقد فعلت ذلك بطرقٍ تُضعِف الأمن القومي في الولايات المتحدة والدول الحليفة لها. من المفيد أن نتواصل حول هذه المسائل. بالإضافة إلى المخاطر المطروحة على الأمن القومي، يطرح التقدم السريع في مجال الذكاء الاصطناعي مخاطر عالمية تجعل تبادل الآراء بين الولايات المتحدة والصين يستحق العناء».

يسعى البلدان إلى تطوير تقنيات المستقبل والسيطرة عليها، ويُعتبر الذكاء الاصطناعي الأكثر أهمية بينها. هما يحاولان أيضاً فرض قِيَمهما على القواعد التي تحكم تلك التقنيات.

توضح تونر: «أظن أن المسألة الحقيقية تتعلق بنزعة الطرفَين إلى اعتبار هذه المحادثات ناجحة لدرجة أن يقررا متابعتها. وأظن أن هذا التبادل كان محكوماً بأن يكون تجريبياً لتقييم المسائل المثمرة التي يستطيع التطرق إليها... لا شك في أن الحوار سيتأثر بديناميات هذه العلاقة عموماً، ما يعني أن يتمكن كل طرف من تغيير مساره إذا وقع حدث غير متوقع ويقرر إطلاق نهج مختلف».

على عكس المحادثات المرتبطة بالمناخ، لم تذكر ملخّصات الاجتماع المتعلق بالذكاء الاصطناعي توقيت أي اجتماع آخر من هذا النوع. في غضون ذلك، يحمل الطرفان دوافع خفية أخرى تتجاوز حدود الحوار.

تقول ميشيل جودا، مسؤولة سابقة في وزارة الخارجية الأميركية أصبحت اليوم المديرة التنفيذية لمعهد «كراش» للديبلوماسية التكنولوجية في جامعة «بوردو»: «في نهاية المطاف، لا تتعلق المسألة الأساسية بالاجتماع بحد ذاته، بل تتمحور حول تحقيق مصالحنا الاستراتيجية. يرتبط معيار النجاح الحقيقي بمدى قدرتنا على تسريع ابتكارات الذكاء الاصطناعي وتحسينها وجعلها أكثر ذكاءً كي تتمكن الولايات المتحدة وجميع حلفائها الجديرين بالثقة من تحديد معايير تنظيمها».

بالنسبة إلى الصين، قد تكون الظروف المحيطة بالمحادثات مهمة بقدر محتواها. توضح ليندسي غورمان، مستشارة تكنولوجية سابقة في فريق بايدن في البيت الأبيض ورئيسة برنامج التكنولوجيا في «صندوق مارشال الألماني» راهناً: «تريد الصين أن تكون لاعبة مؤثرة على مستوى الحوكمة العالمية، وهي ترغب في أن تضع نفسها بمصاف الولايات المتحدة باعتبارها قطباً عالمياً آخر يحق له أن يقود المحادثات في شأن تطوير الذكاء الاصطناعي وتنظيمه». لا تقتصر هذه الجهود على واشنطن، فقد شملت زيارة شي جينبينغ إلى أوروبا خلال هذا الشهر إعلاناً مشتركاً حول حوكمة الذكاء الاصطناعي بين فرنسا والصين.

تضيف غورمان: «تستفيد الصين من تهدئة الوضع، حتى في المسائل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. تسمح الجهود الديبلوماسية العلنية بنشر هذه الصورة الإيجابية، وتصبّ أي خطوات يتخذها البلد لكبح جزءٍ من تلك التحركات التكنولوجية في مصلحة الصينيين حتماً».

لكن تلاحقت المؤشرات التي تُذَكّر الجميع بحقيقة الوضع القائم منذ بدء الاجتماعات. في اليوم الذي اجتمع فيه مبعوثو بايدن في ملف الذكاء الاصطناعي مع نظرائهم الصينيين في جنيف، زاد الرئيس الأميركي الرسوم الجمركية على مجموعة كبيرة من المنتجات الصينية، بما في ذلك الألواح الشمسية وأشباه الموصلات، حتى أنه فرض رسوماً بنسبة 100 في المئة على السيارات الكهربائية، ما يعني أن التكنولوجيا التي تحكم العملية الانتقالية نحو الطاقة الخضراء تبقى شائكة رغم تعاون الطرفَين في ملف الأزمة المناخية. في هذا السياق، يقول مسؤول بارز في الإدارة الأميركية إن سياسات حماية التكنولوجيا ليست محط تفاوض، حتى لو كانت واشنطن تسعى إلى تكثيف الحوار.

تشكّل تلك الخطوة أحدث مؤشر عدائي إلى احتدام المنافسة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين، وتعكس نسخة مستحدثة من الحرب التجارية التي أطلقها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب للحفاظ على الأمن القومي الأميركي وحماية الأسواق الأميركية من التأثير الصيني.

تقول إيميلي بنسون، مديرة مشروع التجارة والتكنولوجيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية: «تنظر إدارة بايدن إلى الصين وتشاهد هذا النوع من الجهود الجماعية التي تبذلها القطاعات الصينية لتكثيف الإنتاج والتصدير. تتبنى الإدارة الأميركية مقاربة متعددة الأبعاد لمحاربة فائض القدرات، ونزعات التسلّح، ومحاولات إضعاف الإنتاج الأميركي».

أطلقت الصين تحركات استفزازية خاصة بها، فاستضاف الرئيس شي جينبينغ نظيره الروسي فلاديمير بوتين في بكين وتعهد بتعميق الشراكة الاستراتيجية بين البلدَين.

كما نفّذت الصين تدريبات عسكرية «عقابية» قبالة ساحل تايوان بعد أيام على وصول رئيس الجزيرة الجديد لاي تشينغ تي، إلى سدة الرئاسة.

ربما كان توقيت تلك التحركات من الجانبَين مجرّد صدفة، لكنها تؤكد غياب الثقة بين الطرفَين رغم اللقاءات التي تجمعهما. تقول غورمان: «تحمل الصين تاريخاً طويلاً من تجارب الحوار غير النافع. هل سيتحقق أي تقدّم ملموس هذه المرة لمنع الصين من إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي؟ إنه أمر مستبعد. أظن أن هذه الاجتماعات تهدف في نهاية المطاف إلى إثبات استعداد الطرفَين للحوار، لكن من دون أن تتلاشى المنافسة بينهما... لا يتوقف الوضع على نتائج المحادثات الديبلوماسية مع قوة استبدادية».

وفيما تستعد الولايات المتحدة لانتخاب رئيسها المقبل في تشرين الثاني، تتعلق واحدة من أبرز المسائل الشائكة بتأثير أي تغيير في هوية الرئيس الذي يصل إلى البيت الأبيض على سياسات واشنطن مع الصين. أصبحت العدائية تجاه الصين مسألة مشتركة بين الحزبَين الجمهوري والديموقراطي، لكن تشدد غورمان على تغيّر الوضع بطريقة جذرية ومقلقة إذا فاز ترامب في الانتخابات.

تضيف غورمان: «لا أظن أن الإجماع الأميركي في الملف الصيني سيتلاشى، بغض النظر عن هوية الرئيس في البيت الأبيض. لكنّ المجال الوحيد الذي سيشهد اختلافاً هائلاً بين مواقف ترامب وبايدن، يتعلق بطريقة تعاملنا مع حلفائنا وشركائنا. لهذا السبب، سيكون فوز ترامب بالرئاسة أشبه بهدية إلى الصين لأنه يحاول منذ عهده الأول أن يبعد الولايات المتحدة عن حلفائها وشركائها، وهي أطراف تعتبرها إدارة بايدن ميزة استراتيجية ضد القوى الاستبدادية».

في مطلق الأحوال، يبقى إيجاد أي قواسم مشتركة بين الطرفَين بالغ الأهمية، مهما كانت تلك النقاط محدودة.

في النهاية، تقول تونر من جامعة «جورج تاون»: «حتى في أخطر مراحل العدائية وفي أكثر الفترات اضطراباً مع الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة، بقي استمرار التواصل عاملاً أساسياً في كلّ الظروف... لم يرغب أحد في حصول محرقة نووية عن غير قصد. يُفترض ألا نصدّق كل ما تقوله لنا الصين خلال هذه المحادثات، لكن يجب أن نشارك فيها في مطلق الأحوال لأننا ما زلنا بعيدين جداً عن المرحلة التي تُخوّلنا قطع كلّ العلاقات الديبلوماسية».

3