عُقد الاجتماع التاسع للقمة الثلاثية بين رئيس كوريا الجنوبية يون سوك يول ورئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيدا ورئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ يومي 26 و27 أيار الحالي في سيول، لمناقشة القضايا الحاسمة المتعلّقة بالتعاون الإقليمي الاقتصادي، التجاري والأمني، خصوصاً لمناقشة نزع الأسلحة النووية في شبه الجزيرة الكورية، الأمر الذي اعتبرته كوريا الشمالية استفزازاً سياسيّاً خطراً ينتهك وضعها الدستوري كدولة تملك السلاح النووي.
يعتبر هذا الاجتماع الأوّل من نوعه وجهاً لوجه منذ أربع سنوات وخمسة أشهر بسبب جائحة «كورونا». ويعود تاريخ إنطلاقة القمة الثلاثية إلى عام 2008 بعد اجتماعات مستقلّة لقادة الدول الثلاث على هامش تجمعات آسيان زائد ثلاثة، علماً أنّ تأسيس آسيان زائد ثلاثة في حدّ ذاته كان نابعاً من الضرورة المشتركة لتعزيز التعاون بين القوى الإقليمية الرئيسية في أعقاب الأزمة المالية الآسيوية في عام 1997. وعلى الرغم من بعض التقلّبات، كانت البلدان الثلاثة تعمل نحو إضفاء الطابع المؤسّسي على التعاون الثلاثي من خلال إنشاء أمانة التعاون الثلاثي «تي سي أس» في سيول في عام 2011، بناءً على الفهم المشترك لأهمية التعاون الثلاثي.
لم يكن الوباء العائق الوحيد، فقد واجهت كوريا الجنوبية واليابان والصين قضايا تتعلّق بالخلافات التاريخية والنزاعات الإقليمية على مدى السنوات القليلة الماضية، ما أدّى إلى توتّر علاقاتها، لكن على الرغم من الخلافات الديبلوماسية والتاريخية بين كوريا الجنوبية واليابان، التي كانت القوة الاستعمارية السابقة، انتهج رئيس كوريا الجنوبية يون سوك يول منذ تسلّمه السلطة في أيار 2022 سياسة تقارب مع اليابان في مواجهة التهديد الكوري الشمالي.
تسعى الدول الثلاث إلى تجنّب ظهور سيناريو «حرب باردة» في شمال شرق آسيا، وهو ما قد يُضيف أعباء ديبلوماسية وأمنية على كاهلها جميعاً، فبالرغم من الاصطفافات والمواقف المتباينة بين الدول الثلاث في شأن مختلف القضايا، فهي جميعها تُدرك أنّ التوترات والخلافات المتصاعدة تضرّ بمصالحها. لذلك، فإنّ إدارة مستوى الصراع إلى مستوى مقبول ليس ضروريّاً فحسب، بل إلزاميّاً أيضاً.
على الرغم من بعض الخلافات حول الهوية الوطنية، والتصوّرات التاريخية، والمصالح الأمنية، فإنّ التعاون الوظيفي بين الدول الثلاث أمر لا مفرّ منه، إذ تُدرك البلدان الثلاثة أنّ حماية الأمن الاقتصادي تُشكّل أهمية بالغة لمصالحها الوطنية، حيث تُشكّل البلدان الثلاثة ما يقرب من 20 في المئة من سكان العالم و25 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي العالمي، وبإعتبارها دولاً جارة، لا تُريد الدول الثلاث الإنفصال عن بعضها البعض، خصوصاً مع تعاظم العلاقات الاقتصادية المترابطة بطرق عديدة، لا سيّما بين الأفراد، الذي يعتبر اتجاهاً طبيعيّاً في عصرنا.
يُدرك زعماء البلدان الثلاثة فائدة إحياء قمة ثلاثية لمساعدة كافة اللاعبين الإقليميين على تسوية الخلافات وتعزيز الجهود الرامية إلى معالجة قضايا شمال شرق آسيا، علماً أنّ الأطر المتعدّدة الأطراف ليست سلسة وغالباً ما تكون قاصرة عن معالجة الشؤون العالمية الحرجة، فتتّجه الحكومات والكيانات إلى الأطر المصغّرة لتنسيق التعاون الإقليمي وتسهيله. وبدلاً من تفاقم الصراع بين الولايات المتحدة والصين، قد تكون القمة الثلاثية بمثابة منصّة لتخفيف التوترات بين هذين العملاقَين العالميَّين المتنافسَين.
وبالإضافة إلى استعادة الثقة المتبادلة بين الدول الثلاث وتعميقها، فإنّ الاجتماع بين الزعماء الثلاثة من شأنه أن يُرسل إشارة إلى كوريا الشمالية مفادها أن كوريا الجنوبية واليابان والصين مستعدّة ويُمكنها تنسيق الجهود معاً لتعزيز السلام والاستقرار في شبه الجزيرة الكورية في سياق إقليمي أوسع.
من غير المستبعد أن يُساعد تعزيز مستوى التعاون التطبيقي والوظيفي بين الدول الثلاث في تحقيق فوائد ملموسة ليس فقط لمواطنيها، ولكن أيضاً للمجتمع الدولي الأوسع. وقد شملت جداول الأعمال التعاونية المطروحة على الطاولة، حماية البيئة والصحة العامة والصرف الصحي والإغاثة في حالات الكوارث ومنع الجرائم العابرة للحدود. وستعمل هذه المبادرات على تعزيز صحة وسلامة الناس في البلدان الثلاثة.
وبالإضافة إلى ذلك، شمل جدول الأعمال قضايا سلسلة التوريد، والتمويل، وتحديات الملكية الفكرية التي ستكون حاسمة لتحسين نوعية الحياة اليومية. والأمر الأكثر أهمية هو أنّ هذه القمة سوف تُساعد في تخفيف التوترات بين كوريا الجنوبية واليابان والصين، وتكون بمثابة نقطة انطلاق لتعزيز العلاقات بين هذه الدول على المستويَين الثلاثي والثنائي.
لن تحلّ القمة الثلاثية كلّ المشكلات وتَحُدّ من الصراعات المحتملة في المنطقة بضربة واحدة، فهناك أمثولة كورية قديمة تقول «ملعقة واحدة لا تشبع معدتك»، لكنّ القمة الثلاثية هي بالتأكيد بمثابة بوابة فرص، باعتبارها منصّة للحوار تجمع أعلى مستويات القيادة في شمال شرق آسيا لتوجيه الجهود الرامية لبناء الثقة، وإدارة الصراعات، ومنع الأزمات في المنطقة وخارجها.