كولين كلارك

"داعش" لم يختفِ يوماً

30 أيار 2024

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

بعد الهجوم الذي استهدف حفلاً موسيقياً في موسكو وقتل أكثر من 140 شخصاً، فاجأ تنظيم "الدولة الإسلامية" – ولاية خراسان" من كانوا مقتنعين بأن "داعش" أصبح جزءاً من الماضي.



عملياً، لم يختفِ هذا التنظيم يوماً. وفق مؤشر الإرهاب العالمي (نشرة سنوية تصدر عن معهد الاقتصاد والسلام لقياس تداعيات الارهاب حول العالم)، بقي "داعش" أخطر تنظيم ارهابي في العالم للسنة التاسعة توالياً، فقد نفّذ أكبر عدد من الاعتداءات وقتل اكبر عدد من الناس عن طريق الإرهاب.


يتضح هذا الوضع في اعتداءات التنظيم في ايران وتركيا، في وقت سابق من هذه السنة.



سيطر «داعش» على الأراضي في الشرق الأوسط، بمساحات تساوي نصف حجم بريطانيا العظمى تقريباً، حين كان في ذروة نجاحه، فجذب عشرات آلاف المقاتلين الأجانب من عشرات الدول حول العالم. أقدم مقاتلو التنظيم على قطع رؤوس الغربيين، وأحرقوا طياراً أردنياً وهو حيّ، واستعانوا بوسائل مشينة لقتل المحتجزين لديهم، بما في ذلك الغرق والصلب. صوّر عناصر التنظيم تلك الجرائم ضد الإنسانية وعرضوا الفيديوات في إطار حملة دعائية تهدف إلى ترهيب المدنيين وتجنيد متطرفين متعطشين للدماء. حتى أن التنظيم أجرى مزاداً لبيع نساء إيزيديات.

خلال بضع سنوات، أطلق «داعش» اعتداءات كبرى في أنحاء أوروبا أو كان مصدر إلهام لها، بما في ذلك هجوم باتاكلان في باريس (2015)، وهجوم مترو بروكسل (2016)، ونيس (2016)، وبرلين (2016)، وستوكهولم (2017)، واسطنبول (2017)، وبرشلونة (2017). وقعت أيضاً اعتداءات أخرى حول العالم، بدءاً من نيويورك وصولاً إلى تونس.

بدا «داعش» في تلك الفترة منتشراً في كل مكان، لكن سمحت حملة مكثفة لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة بوقف سيطرة التنظيم على مساحات واسعة من الأراضي في العراق وسوريا. حتى اليوم، تنشر الولايات المتحدة حوالى 900 عنصر في سوريا و2500 في العراق، وتشكّل هذه القوات درعاً واقياً ضد عودة «داعش» في هذين البلدين. وعند سقوط منطقة الباغوز السورية، ساد تفاؤل واسع حول إمكانية هزم «داعش» نهائياً. لكن كان التنظيم مستعداً لهذا الاحتمال المتوقّع.

كان جزء من استراتيجية «داعش» يقضي بالتوسع عالمياً عبر تطوير شبكة عالمية من الجماعات والفروع القادرة على تنفيذ العمليات في مناطق مختلفة. على مر سنوات عدة، بدءاً من العام 2014، أعلن «داعش» رسمياً قيام «ولايات» في شبه جزيرة سيناء في مصر، وأفغانستان (في ولاية خراسان)، وليبيا، وبنغلادش، والفيليبين، وغرب أفريقيا، والساحل الأفريقي، وأفريقيا الوسطى (موزمبيق وجمهورية الكونغو الديموقراطية).

حققت تلك الحملة أهدافها. بعد زيادة شعبية «داعش» ثم سقوطه في قلب الشرق الأوسط، انتقل التنظيم إلى أجزاء من أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا. في العام 2023، شملت لائحة البلدان العشرة الأولى التي تأثرت بالإرهاب الدول التالية: بوركينا فاسو (1)، مالي (3)، باكستان (4)، أفغانستان (6)، الصومال (7)، نيجيريا (8)، النيجر (10). وفي أفريقيا جنوب الصحراء، يسيطر تنظيم «الدولة الإسلامية - ولاية الساحل» «والدولة الإسلامية - ولاية غرب أفريقيا» على مساحات واسعة من الأراضي التي تمتد من ضواحي غرب أفريقيا الساحلية إلى حوض بحيرة تشاد.

لكن بما أن تنظيم «داعش» بات يُعتبر مشكلة خاصة بأفريقيا وجنوب آسيا، لم يعد التصدي لهذه الجماعة على رأس أولويات أجندة المجتمع الدولي. في الغرب، لا سيما الولايات المتحدة، تُركز مؤسسات الأمن القومي على صعود الصين، والحرب في أوكرانيا، وتداعيات الحرب المستمرة بين إسرائيل وحركة «حماس»، وتكاثر التقنيات الناشئة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي.

حين توحي الظروف بأن الإرهاب العالمي بدأ يتلاشى، غالباً ما ينجم الوضع المستجد عن الضغوط المرافقة لحملة مكافحة الإرهاب. لكن يبقى الإرهاب شكلاً من التكتيك، ما يعني أنه لا يزول بالكامل بل يستمر لأنه متعدد الاستعمالات: إنها أداة غير متماثلة تستعملها أطراف غير نظامية أو تعتبرها الدول التي تدعم مجموعة من العملاء أفضل ردّ ممكن.

وعندما تتجدد مظاهر الإرهاب، غالباً ما تُستعمل تلك الأداة كردّ على الظروف الجيوسياسية المتبدلة. تجتاح مشكلات متشابهة أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا مثلاً، أبرزها انفلات الحدود، وضعف الأجهزة الأمنية، ووفرة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي تتعامل معها الشعوب وقد تستغلها الجماعات الإرهابية لتجنيد العناصر، لا سيما في البلدان التي تشمل عدداً كبيراً من الرجال في سن التجنيد العسكري.

في أفغانستان، نجحت «الدولة الإسلامية - ولاية خراسان» في إعادة إحياء شبكة التخطيط لعملياتها الخارجية منذ استيلاء حركة «طالبان» على السلطة في آب 2021. كان لافتاً أن تتمكّن «طالبان» من إضعاف قدرة «الدولة الإسلامية - ولاية خراسان» على التحرك داخل أفغانستان. رداً على هذا الوضع، استعمل عناصر «داعش» مواردهم للتخطيط لاعتداءات خارجية (داخل المنطقة وفي أماكن بعيدة مثل أوروبا). بدءاً من نيسان 2024، بدا وكأن الفرع الأفغاني التابع لتنظيم «داعش» استعاد قدرته على تنفيذ عمليات خارجية، واستفادت فروع التنظيم الإقليمية من موجة الغضب التي اجتاحت عدداً كبيراً من المجتمعات المسلمة بسبب حرب غزة ومقتل عشرات آلاف المدنيين الفلسطينيين، معظمهم من النساء والأطفال.

يشير إيقاع العمليات المتسارع من جانب «الدولة الإسلامية - ولاية خراسان» ووتيرة المخططات والاعتداءات إلى توسّع نطاق الأهداف التي يصبو إليها التنظيم. كان يمكن توقّع آخر هجوم في موسكو مثلاً. طوال سنوات، عبّرت «الدولة الإسلامية - ولاية خراسان» عن غضبها من موسكو خلال حملتها الدعائية، فصوّرت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كدمية بيد الشيعة وأشارت إلى علاقة الكرملين مع إيران، ودعم روسيا للرئيس السوري بشار الأسد، ونشاطات المرتزقة الروس في مجموعة «فاغنر» إلى جانب «حزب الله» في سوريا.

ينوي التنظيم الآن استهداف الأراضي الأوروبية. أحبطت ألمانيا بعض المخططات حديثاً، وكشف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أواخر آذار أن الاستخبارات الفرنسية أحبطت بدورها عدداً من مخططات «الدولة الإسلامية - ولاية خراسان» ضد فرنسا. تعليقاً على طبيعة التهديدات المطروحة، قال الجنرال الأميركي فرانك ماكينزي حديثاً: «يُفترض أن نتوقع محاولات أخرى من هذا النوع ضد الولايات المتحدة وضد شركائنا ودول أخرى في الخارج أيضاً».

حتى الآن، كان العناصر الذين اتكلت عليهم «الدولة الإسلامية - ولاية خراسان» لتنفيذ مخططاتها الأوروبية الفاشلة يفتقرون إلى الخبرة. تفشل الخطط أحياناً بفضل خبرة وحدات مكافحة الإرهاب أو عدم كفاءة الإرهابيين. لكن لا يكف «داعش» عن التعلّم من أخطائه. يدرس قادته نقاط الفشل ويحاولون استعمال ابتكارات جديدة عبر تحسين التكتيكات، والتقنيات، والإجراءات، خلال الموجة اللاحقة من المحاولات.

لهذه الأسباب، يجب أن نسأل القادة، وصانعي السياسة، والمسؤولين المُنتَخبين، عن الاستراتيجية المناسبة لكبح التهديدات المتواصلة التي يطرحها عدو قوي من هذا النوع. يُفترض أن يهدف جزء من هذه الاستراتيجية إلى منع إضعاف جهود مكافحة الإرهاب الغربية بدرجة إضافية. طوال عقدَين من الزمن، شكّلت حملات مكافحة الإرهاب أساس الجهود الرامية إلى تدمير جماعات مثل «القاعدة» و»داعش». أبرم الأميركيون وحلفاؤهم حول العالم شراكات لتقاسم المعلومات الاستخباراتية وتعاونوا في ما بينهم عبر نشر معلومات مهمة عن الإرهابيين المشتبه فيهم، والجماعات، والتكتيكات، والأفكار التي تحرّض على العنف.

سيكون التعامل مع الصين المتوسعة وروسيا الانتقامية هدفاً أساسياً. لكنّ تحقيق هذا الهدف تزامناً مع التخلي عن جهود مكافحة الإرهاب ليس منطقياً. في النهاية، يمكن خوض المنافسة الاستراتيجية ومتابعة مكافحة الإرهاب في آن لأن هذين الهدفَين يُكمّلان بعضهما. قد تسهم العلاقات التي طوّرتها واشنطن مع شركائها الغربيين بفضل عمليات مكافحة الإرهاب طوال عقدَين في تسهيل جمع المعلومات الاستخباراتية التي تسمح بالتعامل مع القوى البارزة.

لتطبيق استراتيجية عالمية وقوية لمكافحة الإرهاب، تتعلق ركيزة مهمة أخرى بالاقتراب من بعض النقاط الإرهابية الساخنة حول العالم في الوقت المناسب. في الساحل الأفريقي، تحافظ الولايات المتحدة على وجود محدود، لكن يقال إنها تفكر بإنشاء قاعدة للطائرات المسيّرة في غانا ومواقع ساحلية أخرى لمنع المدّ الإرهابي الجهادي من اجتياح غرب أفريقيا الساحلية بالكامل. بعد انسحاب فرنسا وحصر الوجود الأميركي في المنطقة، سارع الفيلق الأفريقي - الروسي إلى ملء فراغ السلطة. كانت مجموعة «فاغنر» التي سبقته معروفة بزيادة مشكلة الجهاد سوءاً بدل المشاركة في حلّها.

يجب ألا نتخلى عن معظم الشراكات، وأفضل الممارسات، والدروس المستخلصة من الحرب العالمية على الإرهاب لمجرّد أنّ تركيز «داعش» وفروعها يصبّ على أماكن أخرى في الوقت الراهن. يُفترض أن تحافظ أجهزة الأمن ووكالات الاستخبارات الغربية على حذرها، لكن تبرز الحاجة في المقام الأول إلى تأمين سيل دائم من الموارد (أموال، عناصر بشرية، أدوات مكافحة الإرهاب) لمتابعة المعركة. وحدها المقاربة الشاملة لمكافحة الإرهاب تستطيع أن تُخفّض أعداد المتطرفين المستعدين للقتال إلى جانب جماعات مثل «داعش» وفروعه العالمية.

MISS 3