نجم الهاشم

موسى الصدر: خطف إمام أم خطف طائفة؟

24 آب 2020

02 : 00

أتى إلى لبنان موطن أجداده

في 25 آب 1978، ركب الإمام موسى الصدر الطائرة مع رفيقيه الشيخ محمد يعقوب والصحافي عبّاس بدر الدين، متوجّهاً إلى الجماهيرية الليبية، للقاء موعود مع العقيد معمّر القذافي. ذهب الإمام ولم يعد. منذ 31 آب 1978 اختفى. هل كانت عملية خطفه محاولة لخطف الطائفة الشيعية في لبنان وإلحاقها بمشروع آخر أكبر من لبنان هو مشروع ولاية الفقية في إيران؟ وهل ما تعيشه الطائفة اليوم هو أزمة حزب وسلاح، أم أزمة مشروع وبحث عن هويّة؟

لم يُقرّر الإمام موسى الصدر لقاء القذافي من دون أن يدرس الأمر. كانت هناك مسافات بين الرجلين. مسافات شخصية وتكوينية وفكرية وسياسية ودينية مذهبية. كلّ منهما ينتمي إلى عالم مختلف. ومع ذلك، غامر سماحته، ويمّم شطر العاصمة الليبية. كانت مغامرة من أجل هدف اعتبره الإمام يستحقّ التضحية والمغامرة، آخذاً في الإعتبار أيضاً أنّ حياته قد تكون مُعرّضة للخطر. ولكن ربّما لم يخطر في باله أنّ الرجل الذي كان ينوي مقابلته قد يلجأ إلى ما لا يخطر في البال. أن يخفيه.

مغامرة لا بدّ منها

قبل سفره، أجرى الإمام الصدر جولة استشارات، مع رئيس الجمهورية الياس سركيس، مع أصدقاء مسيحيين قريبين من الجبهة اللبنانية، مع قياديين في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الذي أسّسه قبل تسعة أعوام، وفي حركة "أمل" التي شكّلت الفصيل المسلّح للطائفة الشيعية بعدما كان أطلقها الإمام نفسه تحت إسم حركة المحرومين، وضمّت مسيحيين بين المؤسسين. نصائح كثيرة تلقّاها بعدم السفر، لأنّ القذافي ليس محلّ ثقة وهو رجل غير متوازن ولا يُمكن معرفة ردود فعله وانفعالاته. حتّى أنّ بعض من عرض عليهم مرافقته رفضوا ذلك، ومع ذلك لم يقتنع.

كان جريئاً يُحبّ المخاطرة. قصّة مجيئه إلى لبنان وبدء مسيرته الدينية والسياسية في قيادة الطائفة الشيعية كانت في حدّ ذاتها مخاطرة. إنّها جزء من قصّة القمقم والمارد والطائفة الشيعية. عن هذه القصة، تحدّث السيد حسن نصرالله، الأمين العام لـ"حزب الله" بعد نحو أربعين عاماً على خطف الإمام الصدر، ولكن، وإن كان العنوان واحداً، فإنّ مضمون القصّة مختلف من القمقم إلى المارد إلى الطائفة. تكاد طائفة موسى الصدر لا تشبه طائفة "حزب الله" اليوم.

صحيح أنّ الإمام الصدر هو الذي أطلق عمليّة بناء القوة العسكرية داخل الطائفة الشيعية من خلال حركة "أمل"، وهو الذي كان أعلن أنّ السلاح زينة الرجال، ولكنّه لم يحلم يوماً بأنّ الطائفة التي يريد أن يُخرجها من القمقم، ستصبح أسيرة هذا السلاح.

لا يشبه موسى الصدر حسن نصرالله. السيد موسى ولد في إيران وأتى إلى لبنان موطن أجداده. ومع ذلك لم يكن هدفه إلحاق لبنان بإيران ولا بولاية الفقيه بالرغم من أنه كان من الداعمين الأساسيين لثورة الإمام الخميني قبل أن يعود إلى إيران، وقد تزامنت تلك العودة مع غيبة الإمام، وهذا الأمر يعتبر كثيرون من داخل الطائفة الشيعية أنّه لم يكن مجرّد صدفة. في المقابل، السيّد حسن نصرالله الذي ولد وعاش في لبنان، أخذ الشيعة إلى ولاية الفقيه، وعمل على أن يكون لبنان كلّه تابعاً للمحور الذي يقاتل دفاعاً عنه ومن أجله. أخرج الشيعة من القمقم كما يقول، ولكن هل يجب أن يكون ثمن هذا الخروج إدخال لبنان كلّه إلى القمقم؟

من أجل سلاح الجيش أولاً

في 14 آذار 1978، حصل الإجتياح الإسرائيلي الأوّل للبنان. كان ذلك ردّاً على عملية نفّذتها مجموعة فلسطينية مسلّحة بقيادة دلال المغربي في 11 آذار من ذلك العام إنتقاماً لعملية فردان التي قتل فيها الموساد الإسرائيلي ثلاثة قياديين من منظمة التحرير الفلسطينية في 10 نيسان 1973. كان الإمام موسى الصدر في ذلك الزمن يريد أن يُحرّر القرار الشيعي، وأن يُعيد الإعتبار إلى أهل الأرض، وأن تكون مسؤولية الأمن في الجنوب للجيش اللبناني. لقاء القذافي لم يكن إلا من خلال معرفته أنّه يمكن أن يؤثّر في القرار الفلسطيني ويمون على منظّمة التحرير لكي تُبعد مسلّحيها من الجنوب حتى يكون أمن الجنوب لبنانياً.

ما خشي منه رفاق الإمام حصل. لم تكن هناك محرّمات عند القذافي. غياب الإمام ترك الساحة الجنوبية والشيعية فالتة وأخذ الشيعة في لبنان إلى مكان آخر. على وقع الحزن الكبير على هذا الحدث الكبير بدأت تخرج إلى العلن عملية خطف الطائفة الشيعية. ذهب الإمام الصدر ضحيّة سعيه ليكون سلاح الجيش اللبناني حامي الجنوب ولم يخطر في باله ربّما أنّ غيابه سيجعل معظم الشيعة مع "حزب الله" يعتبرون أن سلاحهم هو الذي يحميهم ويحمي لبنان. لذلك اليوم بعد 42 عاماً على تغييب الإمام، يجوز السؤال عمّا إذا كانت القضية الشيعية هي قضية سلاح فقط أم أنها تتعلّق بالنظام ككل.

تجاوز الحدود وتغيير النظام

لم يعد هذا السلاح في بعلبك وصور والنبطية وفي مواجهة العدو الإسرائيلي فقط. لقد تجاوز الحدود، كلّ الحدود، وزجّ الشيعة في مواجهات كبيرة ووضعهم أمام تحدّيات كبيرة. ربّما بات معها موضوع التخلّي عن السلاح صعباً وموضوع الإستمرار في التمسّك به صعباً أيضاً. كِلاهما خيار مرّ وكِلفته كبيرة. والسؤال الآخر الذي يطرح هو هل كانت الطائفة الشيعية ستصل إلى هذا المكان لو بقي الإمام موسى الصدر حيّاً؟

عندما تحدّث المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان المرّة الأولى عن تغيير النظام في لبنان وعن سقوط صيغة لبنان الكبير وصيغة 1943 قيل إنّ هذا الكلام قد يكون عرضياً ومن دون تنسيق مع مرجعيّات الطائفة الأخرى. ولكنّ المفتي عاد ليكرّره في مناسبة رأس السنة الهجرية وليؤكّده. "نعود ونؤكّد أنّ ظروف 1920 لقيام كيان طائفي وقاعدة مصالح عابرة انتهت، لأنّ المنطقة والعالم بمكوّناته السياسية وأوزانه الدولية والإقليمية تغيّر للغاية، كما أنّ الظروف التي أنتجت الميثاق السابق تغيّرت أيضاً، وهذا ينسحب على الطائف نفسه، فالعالم كلّه قد تغيّر، والمنطقة بكلّ أوزانها وأحلافها وأولوياتها السياسية ودوافعها الخارجية تعيش الفوضى والصراعات الهائلة التي لا محلّ فيها للحياد، ولا معنى فيها للهروب، أو لطمر الرأس... العالم قد تغيّر، وعلى لبنان أن يتغيّر وأن يعبر إلى نظام سياسي جديد، يضمن بقاء لبنان، في منطقة تتآكلها النيران... وحتى لا ينزعج البعض أو يذهب بعيداً في تخيّلاته، ندعو إلى "نظام تكميلي للطائف" أو تعديلي لهذا الطائف، الذي قد لا يُبقي حجراً على حجر في هذا البلد... ما صحّ سنة 1920 و1943 و1989 لا يُمكن أن يصحّ اليوم أبداً، ولن يصحّ، فكفانا ندباً، وكفانا هروباً، وكفانا قتلاً وتدميراً للبنان". يقول المفتي قبلان هذا الكلام ويدعو إلى دولة مدنية ويرفع شعار أنّه إذا لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب. ولكنّه لا يقول كيف يُمكن أن تكون دولة مدنية في ظلّ "حزب الله" وفي ظلّ سلاحه.

هل هي مسألة طائفة أم مسألة حزب؟ وهل المطلوب مراجعة للصيغة وللدستور والطائف، أم المطلوب مراجعة شيعية لكلّ التجربة ولكلّ المغامرة التي تعيشها الطائفة الشيعية اليوم وعاشتها منذ ما بعد المغامرة التي أخذت الإمام الصدر إلى ليبيا ولم تُعِده منها؟ هل يجب أن يعبر لبنان إلى نظام سياسي جديد، أم أن تعبر الطائفة الشيعية خطّ العودة إلى النظام في لبنان، وأن يعود "حزب الله" إلى لبنان، وإلى الخطّ الذي رسمه الإمام موسى الصدر؟


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.