جورج شبلي

الكتابة على الماء

5 دقائق للقراءة

إنّنا نلاحظ اليوم، وبشكل صارخ يطفو على سطح السلوك السياسي، موقفَين من مفهوم المواطنة، ومن كيفية العبور إلى الدولة، بين مَن يعتبرون أنّ الوطن هو الحيثيّة الجامعة لأبنائه في ظلّ قوانين تشكّل المظلّة التي توفّر للجميع معادلة الحقوق والواجبات، فينعم المواطنون، كلّ المواطنين، بالسّلام والمساواة والحريّة، وبين مَن يسرّبون إيديولوجيّات غريبة، وطروحات هجينة، تعمل على ضرب مفهوم الوطن، كياناً، وهويّة، وتتسلّط على الدولة، قراراً ومؤسّسات، وتؤصّل مفهوم القبَليّة، إنضاجاً لما يقود الى نهاية تراجيديّة لوجود لبنان.

ممّا لا شكّ فيه أنّ مجموعة من اللبنانيّين تشكّل حالة ترفض القهر، والإخضاع، وتتوق إلى الحريّة، والسّلام، والإستقرار، في مجتمع يسعى إلى الأرقى. لكنّ اللّافت أنّ كلّاً من هذه الجماعة، هو مسكون بالفرديّة، وذلك بحكم الموروث الطويل، من هنا، آمنَ هذا الكلّ بأنّ التّغيير سوف يقوده الأفراد، ومن دون الإنتباه إلى أنّ هذه الفرديّة تجمّد، بقصد أو بغير قصد، مشاريع أساسيّة تسعى إلى بناء عناصر المجتمع، وترسيخ عناصر الدولة، ما يعني تسويفاً لحيثية تحمل هموم الوطن، وتقود ناسه إلى الأمام.

إنّ المشكلة، في هذه المسألة، تكمن في ما يُسمّى «اللَّعب الجَماعي»، أي الإتصال المبنيّ على التفاهم، والتناغم، بين أفراد المجموعة الواحدة ذات الإستراتيجية الواحدة، وذلك من خلال تنقية رواسب النَّزعات الشخصانيّة، وضبط الاتّجاهات التباعديّة، ورفض مسلكيّات الخروج عن مفهوم التضامن. إنّ المقصود باللّعب الجَماعي، ليس، أبداً، الحالة الذَّوبانيّة للأفراد، أو الإلغائيّة، أو التّهميشيّة، بل أن تصبّ مواقف الجميع، وإِن متنوّعة، في هدف واحد هو مصلحة الوطن.

واستناداً، نحن أمام مشكلتين، وكلتاهما صعب، هما التبعثر لدى السياديّين، وخطّة تقويض البلاد لدى المحور الممانِع. أمامَ هذا الواقع المأسوي، هل يكفي جرس الإنذار؟

إنّ غياب الفكر السياسيّ الذي يهتمّ بالحُكم، والسلطة، والنُّظم، أدّى إلى خلخلة بنية الدولة، وقد ساهم في هذه الخلخلة، أيضاً، غياب التربية الوطنية التي بها، وحدها، تُبنى الأوطان. هذا الواقع المأسوي أدّى إلى إعادة إنتاج فئات وصوليّة من صُنّاع السياسة، إصطناعيّة الولاء لكيان لبنان، إن لم نقلْ معدومة الولاء والوفاء، انتهك قياديّوها مؤسّسات البلاد، وعاثوا فساداً في الدولة، وشكّلوا عبئاً ثقيلاً على كاهل الشّعب، وأعادوا عقارب الوقت إلى عصور الظّلام، ما أدّى إلى انهيار منظومة الحقوق، والحريّات، وإلى إتاحة المجال لحال الإضطراب والتوتّر، والإنقسام، وعودة نظام المِلَل، والى ضرب منطوق المواثيق التي اتّفق عليها المواطنون.

يطالعنا بعضهم بوجوب تغيير النّظام، لإعادة تشكيل بنية الدولة بحسب الواقع الدّيموغرافي، واستناداً الى فائض القوّة، وكأنّ هذا البعض المُغرض، والذي كان، مع أتباعه المعروفين، في أساس الحكومات، والسلطات، على مدى عقود، يتجاهل، عن عمد، أنّ العقدة ليست في نصّ الدّستور، بل في تطبيقه الملتوي الإستنسابيّ لمواد النصّ. والمطلوب لإيجاد مخرج لهذه الإشكاليّة، أي لتقويم الإعوجاج، هو اقتناع المتسلِّطين المُعاد إنتاجهم، بتغييرٍ يطال اسلوب الحكم، أو ما يُعرَف بالإصلاح الأدائي. إنّ قراءة موثَّقة وموضوعيّة لما ورد في الدّستور اللبناني، تبيّن أنّ هذا الدّستور ليس بحاجةٍ الى تغيير، فهو، في متنه، يُعَدّ في مصاف الدّساتير الحديثة والحضاريّة، إن في مسألة الحريّات التي هي حقّ مقدّس للناس، أو في مسألة الديمقراطية وهي الصيغة المثاليّة التي تكفل للمواطن ممارسة حريّته التي تجعل منه إنساناً كريماً، قادراً على العطاء والبناء، أو في قضيّة المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، أو في إلزام الفرد بالمساهمة في الحياة السياسية والإجتماعية والإقتصادية، وكذلك في مسألة كفالة الدولة لحريّة الكلمة والصحافة والإعلام، والإنتماء الدّيني، وفي مسألة الفصل بين السّلطات... إذاً، إنّ ضرب المواد الدستوريّة بعرض الحائط، وممارسة الديكتاتوريّة المقنّعة، وسياسة التّهميش وتَجاهل حقوق الناس، واللجوء الى القهر، والقمع، واحتكار موارد البلاد، وظهور الإمبراطوريّات السياسيّة، والماليّة، والمافيويّة، كلّ ذلك أدّى الى تقويض الدّستور، والى إيصال البلاد الى ما هي عليه من انسحاق، واستبداد، وتراجع لمؤشّر الإندماج بين أبنائها، كما لمصادرة قرارها، وتعطيل مكوّنات الدولة فيها.

نحن، حُكماً، في مواجهة معضلتَين، وبحاجة الى يقظة متمرّدة تهدم جدران سجن الوطن على مَنْ بناها، وتحوّل ليل الإنحطاط الطّويل الذي أزهق آمال الناس، بصُبح الكرامة والسيادة، ولكن، نحن أمام صمت مخيِّب أمام التسلّط، والتّنكيل، والإذلال، والتعصّب، والشّعور بالتفوّق، والتّهميش، والعمالة والإتّهام الجاهز بها... وهذا ما دفع بي الى الكتابة على الماء والتي تعني باللغة الدّارِجة: دِقّ المَي مَي...