في ختام يوبيل الستين عاماً على تأسيسها، إحتفل راعي أبرشيّة بيروت المارونيّة المطران بولس عبد الساتر بالقدّاس الإلهي في مدرسة سيّدة جبل الكرمل للراهبات الكرمليات للقدّيسة تريزا في الفنار، عاونه فيه خادم الرعيّة الخوري روجيه سركيس وخادم رعيّة السيّدة - الفنار الخوري كميل افرام، بمشاركة الرئيس الإقليمي للآباء الكرمليين الأب عبدو عبدو، والأمين العام للمدارس الكاثوليكيّة الأب يوسف نصر، ولفيف من الكهنة والآباء، وبحضور الرئيسة العامّة لراهبات الكرمل الأمّ إليانا كرّام ممثلة بالأخت غادة شَلَح، ورئيسة المدرسة الأم كلير معلوف وعدد من الراهبات، ومديرة المدرسة السيّدة لينا بجاني، وأعضاء الهيئتين الإداريّة والتعليميّة، ولجنة الأهل، ولجنة القدامى، وعدد من الطلاب والطالبات، وأعضاء الكشاف الوطني اللبناني، وعدد من أبناء رعيّة مار شربل - الفنار ورعايا الجوار.
وبعد الإنجيل المقدّس، ألقى المطران عبد الساتر عظة جاء فيها: "كالمريمات اللواتي يتحدث عنهنّ الإنجيل الذي سمعناه، ومن بعدما اختبرن قيامة الرب يسوع من بين الأموات وحبَّه لكل إنسان ولصغار هذا العالم خصوصاً، أتت الرّاهبات الكرمليات للقديسة تريزا من بعيد، متخلّيات عن بلدهنّ وأهلهنّ ليقمن في ما بيننا ومعنا فصار لبنان بلدهنّ وصرنا نحن أهلهنّ. جئن يبشّرن بالقول وبالفعل وبالمثل بأنّ الله يحبّ الإنسان كائناً من كان ومن أيّ جنسٍ ودينٍ كان.
جئن يبشّرن برحمة الله لكلّ خاطئ وبخلاصه الذي تحقَّق بتجسُّد وموت وقيامة الرّبّ يسوع، الابن الوحيد، والمعطى لكلِّ من يطلبه. على مثال المؤسِّسةِ الأم الطوباوية تريزا ماريا للصليب تعيش الرّاهبات عندنا متّكلات على العناية الإلهيّة التي لا تخيِّب، وتعشن بتجرّد مكتفيات بما هو أساسيٌّ من المأكل والملبس.
إنّهنَّ تسجدن أمام القربان المقدّس في النهار وفي الليل ليتلقنَّ من المعلّم الأول كيفيّة بذل الذات بمجانيَّة، والعناية من دون ملل بالطفل والبالغ. وتسجدنَ أمام القربان لأنَّ في الرّبّ هو عزاؤهنّ في الضيقات، وفي الربّ قوّتهن في المحَن، وفي الربّ فرحهنّ الذي لا يخمدُ بخيبة أو بفشلٍ.
وفي نهاية النهار يُردّدنَ: نحنُ فاعلات بطّالات. وعبثاً يبني البناؤون إن لم يبنِ ربُّ البيت، والربّ يسوع هو ربّ البيت وحده.
فشكراً لكنَّ يا أخواتي على وجودكنّ بيننا وعلى خدمتكنّ وعلى صلاتكنّ وعلى مثلكنَّ الصالح أمامنا وأمام أولادنا. في سفر الخروج يقول يهوى لموسى من داخل العلّيقة التي تحترق: "لا تقترب إلى هنا: إخلعْ حذاءَك من رجلَيْكَ، لأنَّ المكان الذي أنت واقف عليه أرض مقدَّسة" (خر 3/5) وهذا الكلام ينطبق الآن علينا وعلى هذا المكان. فحريٌّ بنا جميعاً أن نخلع حذاءنا لأننا حقّاً واقفون على أرض مقدّسة وفي مكان مقدّس. فهذه المدرسة مقدّسة هي، ليس فقط لأن الله الثالوث حاضر وفاعلٌ في كل من يعيش ويعمل فيها من راهبات وأفراد الهيئة التعليميّة والإداريّة والطلاب وذويهم. هي أيضاً مقدّسة لأنّها ثمرة الكثير من الحبِّ والإماتات والكثير من عرق الجبين وساعات طوال من السجود والصلاة أمام القربان المقدّس. إنَّ هذه المدرسة هي مكانٌ مقدّسٌ لأنَّ بين جدرانها ينمو الطفل بالحكمة والمعرفة والقامة ليصير بالغاً مؤمناً وفاعلاً في كنيسته ومجتمعه. يجبُ ألّا تغفل عنّا هذه الحقيقة حين ندخلُ هذا المبنى، فندخله دوماً بورع وبانحناءة رأس. أشكر الأخت كلير على دعوتها لي إلى المشاركة في ختام يوبيل الستين سنة في عمر هذا الصّرح التربوي العريق.
وفي هذه المناسبة ومن هنا أقول إنّه لا يحقّ للمسؤولين في لبنان أن يتخلّوا عن دورهم في المحافظة وفي تطوير التّعليم الخاصّ والرسميّ بحجة النقص في المال. عليهم أن يعملوا ليل نهار ليكون التعليم والتربية مُتاحَين للجميع وليس للأغنياء فقط. وإنّها لعبة رخيصة أن يضعَ أحد الأهل في مواجهة إدارات المدارس في مسألة الأقساط وتسديدها. ليتنبَّه المسؤولون إلى أنّ الشعب الجاهل يدمِّر وطنه وألّا قيمةَ لحاكمٍ من دون شعب ومن دون وطن".
وفي ختام القدّاس الإلهي الذي خدمته جوقة من طلاب المدرسة بقيادة المرنّمة السيّدة نبيهة يزبك وأستاذ الموسيقى رودي عبدالله، كانت كلمة للأخت غادة شلَح نقلت فيها تحيّة الأمّ الرئيسة العامّة إليانا كرّام وصلاتها، شاكرةً لصاحب السيادة احتفاله بالذبيحة الإلهيّة بمعاونة الكهنة، وطالبة شفاعة الطوباوية تريزا ماريا للصليب لتستمر سفينة هذه الرهبنة بشق طريقها بعد 150 عاماً على ولادة الجمعيّة و120 عامًا على وجودها في لبنان و60 عاماً على تأسيس هذه المدرسة.
وقالت: "هذه السنوات تعطينا مسؤوليّة أكبر في دعوتنا لنكون منارة، وهذا أمر ليس سهلًا من دونكم لأننا لا نستطيع أن نستمر بمفردنا. فالباخرة، التي تضمّ الراهبات والهيئتين الإداريّة والتعليميّة والموظفين والطلاب والعائلات، بوصلتها كلمة الله وهدفها الوصول إلى برّ الأمان والإيمان، ونشكر الله أنّ الأجيال التي مرّت على مدى 60 عاماً وصلت إلى هذا البرّ بفضل عائلة المدرسة.
لذا، عندما نعود إلى أعماقنا علينا أن نضعَ كلمةَ الله في وسط حياتنا. وروحانيّة الطوباويّة تريزا ماريا للصليب والثقافة عاملان إضافيان يجعلاننا نبحر إلى أبعد وأبعد. أنا أفتخر أنّني كنت جزءاً من هذه العائلة، والسنوات التي أمضيتها في هذا الصرح جعلتني أنمو بالمحبّة وأعي معنى العمل الجماعي الذي، كما يقولُ البابا فرنسيس، يشبه القارب الذي يضمّ الجميع ولا يستطيع أحد أن يهرب منه أو أن ينجو منه بمفرده. وكما قال صاحب السيادة، نحن لدينا السّجود الدائم أمام القربان المقدّس وكونوا على ثقة أنّنا نضعكم أمامنا في كلّ سجود".
وكانت صلاة شكر وشهادة ذكرت فيها المرنّمة نبيهة يزبك أنّه "مع الراهبات الكرمليّات اختبرنا الفرح والحبّ والألم والخوف والحرب والسلم والتطور والازدهار والمِحنة والنهوض، ومعهنّ تربينا على المبادئ الأخلاقيّة والروحيّة، واكتسبنا العلم والمعرفة، وفهمنا معنى العيش ببساطة وبتواضع وبتعاون، ومن هنا نشأنا على روح العائلة. في كلّ وقت، كانت الراهبات تطبقن بفرح وصية أمهنّ الطوباوية تريزا ماريا للصليب: "كونوا أمهات"، فعشن الأمومة معنا بكلّ ما للكلمة من معنى حين كنّا طلاباً ومع أولادنا وكلّ الطلاب الذين تخرجوا من هذه المدرسة، وحتى اليوم عندما أصبحنا جزءاً من الجسم التربوي الكرملي".
وختمت قائلة: "نشكرك يا ربّ على 60 سنة نتذكّر فيها أنّك خلقتنا شعباً يتوق إلى العودة إلى أحضانك، أنت الأب الحنون. نشكرك على 60 سنة قدمت فيها الراهبات حبهنّ وتفانيهنّ وتضحيتهنّ لتستمر مسيرة مؤسِّستهنّ. تمنياتي أن تبقى هذه المدرسة منارة في وسط هذه الظلمة، فتظل رايتها التربويّة مرفوعة، وتكون شعلة حبّ مضاءة لأجيال وأجيال بشفاعة سيّدة جبل الكرمل والطوباوية تريزا ماريا للصليب".
وبعد القدّاس، أزاح المطران عبد الساتر، عند مدخل الدير، الستار عن اللوحة التذكاريّة لليوبيل الستّين، ودوّن للمناسبة كلمة في السجل الذهبيّ.