د. منير الحايك

«الطاهي الذي التهمَ قلبه» وخصوصية السردية الفلسطينية

6 حزيران 2024

02 : 05

عند الحديث عن خصوصيّة الرواية في بلدٍ أو ثقافةٍ ما، لا بدّ لنا من العودة إلى تعريف كلمة خصوصيّة، وهي، مصطلحاً «عين الذات، أو ما تتميز به كينونة الذات عن غيرها من الذوات، على أنّ الذاتية ليست كينونة مغلَقة، بل هي على تميّزها الذاتي، مفتوحة على الذوات الأخرى من حولها من ناحية، ومتنامية مع حركة الزمن ومتغيرات التاريخ من ناحية أخرى». فما الذي يُدخِل الرواية الفلسطينية في ما نقصده بالخصوصية.



لقد قرأت مؤخَّراً روايات عدة لروائيين فلسطينيين معاصرين، منهم أسيرٌ منذ أكثر من عشرين عاماً، ومقيم في الضفّة، ومقيم عبر الحدودِ في أوروبا، تمايزت لدى هؤلاء الكُتّاب قصصهم وهمومهم وسرديّاتهم وتقنياتهم ولغتهم...، إلّا أنّ فرادةً ما في نصوصهم جمعتهم بوصفهم فلسطينيين. أما الروائيّ الذي سيتحدث عن روايته ذات الخصوصية الفلسطينية في هذا المقال فهو المقيم في الضفّة، محمد جبعيتي وروايته «الطاهي الذي التهم قلبه» (منشورات المتوسط 2024).

هي قصّة جمال الطاهي، الذي نشأ محبّاً للروائح، يميّزها وينمّي موهبةً لديه لاكتشاف طبخات أمهات المخيّم وجدّاته من خلال روائحها، فيكون المخيّم خصوصية. يفقد عيناً ومعها حاسَّتَي الشمّ والذوق، خلال تظاهرات ومواجهات مع قوات الاحتلال، وهذه خصوصية أخرى. هروب الأمّ منذ ولادته وحال الأب المهزوم، قصّة فلسطينية خصوصية نعرف مثلها الكثير. أمّا الخصوصية الأساس، فهي صراع الفلسطيني ذاك، النفسي خصوصاً، بين الأحلام وبين الاحتلالات المختلفة، فالرواية ذكرت في أكثر من موضع فيها، أنّ الضفة، أو رام الله، أصبحت سجناً كبيراً.

حاول كتّاب كثيرون في بعض أعمالهم الهروب من خصوصيّة فلسطينيتهم، ولكن جبعيتي لم يقم بذلك، فهو أرادها رواية فلسطينية بشكل واضح وصارخ، ففي بعض أجزائها تقرأ ما يقترب من التقرير الصحافي في أثناء سرد ما يحصل من مواجهات، وكان يؤرّخها بتواريخها الحقيقية، وهي أحداث لم تكن بعيدة جدّاً عن المتلقّي اليوم، بل عاشها أو سمع أخبارها بنفسه، فكأنّ الروائي أراد أن يقدّم السردية هذه المرة للتأكيد على أهمية حفظها، لا أن يعود إلى التاريخ ليحييه، فجاءت فرادة النص من هذه الناحية؛ لقد أعادني بوصفي متلقّياً إلى أعوام مثل 2014 أو 2017 و2019، لأقرأ عن شخصيات متخيّلة، واقعية بطبيعة الحال، عاشت داخل تلك الأحداث التي أعرفها جيّدا، وأعرف أناساً، أصدقاء أو أصدقاء لأصدقاء، حصل معهم ما حصل هناك.

ولكن ما الجديد الذي قدّمه النصّ! استمرّ السؤال يراودني منذ بدايته، فالطبخ والروائح وعلاقتها بالطاهي أمور تمّ طهيُها في نصوص روائية كثيرة، ولكن النصّ لم يدخل في صلب مسألة الطهي تلك، بوصفها موهبة وهواية ومهنة، لذاتها، بل لتقريب الصورة من حال الفَقد التي ستركّز عليها الرواية، فجمال الذي فقد أهمّ حاستين في مهنة الطهي التي يحب، لم يقتصر الفقد عنده على هذا الحد، وقد يجد المتلقّي مبالغةً في حالات الفَقد التي سيمرّ بها، جدّته الشهيدة، والده المريض، حبيبته المغدورة، بالإضافة إلى فقدان الأمل بالحياة، حيث أصبح المعاق الذي فقد عيناً وحاستين، وهي رواية قصيرة نسبيّاً. فما مبرّر ذلك، أو بشكل أدقّ، هل من مبرّر؟

أقول نعم، فقد بدأت مقالي بالحديث عن «الخصوصيّة»، فجمال ليس حالة خاصّة بذاته، بل هو شابّ فلسطيني يعيش في رام الله، في مخيّم في رام الله في الضفّة الغربية، والحديث عن رمزية المخيّم في الداخل الفلسطيني، ومعاملة الفلسطيني للفلسطيني بوصفه ابن مخيّم أمر يطول، لا مجال للتوسّع فيه، ولم يكن من غايات النصّ ومقاصده، فجمال الذي عانى الفقد، والذي يؤرّخ معه المؤلّف للحاضر والماضي القريب من السردية الفلسطينية، لا يمكنه تجاوز ما يحصل في غزّة اليوم، ولا في كل ماضٍ قريب شهدناه وشهده القطاع وأهله، فكيف للفلسطيني الحامل هموم بلاده وأهوالها أن لا يكون نصّه متخماً بالفَقد!

سيطر البُعد النفسي المرتبط بالتأثير الإنساني على بناء الشخصية، فهو إنسان عاديّ، أحبّ الطبخ، وتعلّق بجدّته، التي تعود بشكل قويّ في نهاية النصّ لتعيد المتلقّين إلى البداية، إلى الحبّ الحقيقي، الذي حمّله لوالده يوم موته بأنه لم يفلسفه ولم يطلب مقابلًا له، الحبّ الذي لم تعطه الأم لابنها، تلك الأم التي لم تسائلها الرواية، وفي الوقت نفسه الذي لم تبرّر لها، فكان لدور المتلقّين هنا المقصَد في هذا الأمر.

لغة جبعيتي متقَنة وجَذلة، حاول قدر الإمكان تحييدها عن المحكية، إلاّ في جملتين أو ثلاث، ولكن الفصحى كانت مناسبة للشخصيات ومدروسة. لم يُدخِلنا في عجائبية أو فنتازيا أو تشويق أو ألعاب روائية، لأنه أراد أن يوصل لنا حكاية هذا الشاب، الذي يعيش الفَقد، بوصفه فلسطينيّاً، وأنّ المحتلّ سبب في تخريب حياة كل فلسطيني، حتى الطهاة منهم... والكاتب لم يسمح لنفسه في هذا النص أن يمتلك رفاهية الخيال والتخيّل، عندما وجد في الواقع مادة أدسم وأكثر جذباً وأكثر تعقيداً وأكثر ألـماً.

مأخذ على الرواية لا بدّ من ذِكره، فعنوانها مأخوذ من جملة وردت في النص عندما يذكر جمال بأنه كاد أن يلتهم قلبه من الحزن وما إلى ذلك، وهنا برأيي كان اختيار العنوان لسبب تسويقيّ وليس للتكثيف الذي يحمله مفتاح النص ومدخله.

وقبل أن أختم، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ ظهور ريم البنا في النص، في أكثر من موضع، مع تحديد لأغنيات لها، هو وحده كافٍ لأقول إنّ ميزةً في الرواية حقيقية تعطيها فرادة، فالسردية الفلسطينية، يجب أن تحفظ مبدعيها ومناضليها بأسمائهم أحياناً، فلِمَ لا!






MISS 3