مايز عبيد

يتحدّرون من عشيرة "ڠغوشير" وحضروا منذ 400 سنة مع السلطان سليم الأوّل

تركمان الكواشرة: الإنماء لتركيا والولاء للبنان

10 آب 2019

في منطقة الدريب الأوسط في عكّار، تتربع "الكواشرة" على مشارف البحيرة التي نسبت إلى البلدة. هي قرية حدودية تطلّ على الساحل السوري، يتحدّث سكانها اللغة التركية بطلاقة كونهم يتحدّرون من أصول تركية ويُعرفون إلى جانب سكان بلدة عيدمون وبعض العائلات الأخرى، بـ"تركمان عكار".

يقول العارفون بالأصل والفصل، إنّ أهالي قرية الكواشرة يتحدّرون من عشيرة "ڠوشير" من منطقة كونيا التركية، قصدوا الساحل السوري ثم الساحل اللبناني واستوطنوا هناك. ورواية القدماء تقول إنّ تركمان لبنان، هم من جذورٍ تركية تعود إلى 400 عام، جاؤوا إلى لبنان مع السلطان العثماني سليم الأول زمن الفتوحات والحروب والتمدد في اتجاه المنطقة.

العام 1987 تفاجأ السفير التركي في لبنان آنذاك إبراهيم ديجالي بوجود أتراك في عكّار بواسطة خالد محمد ديب الأسعد، الذي كان عسكرياً في الجيش اللبناني – فوج الهندسة، زار السفارة التركية برفقة أحد الضباط كونه كان يتحدث التركية. ولما رآه ديجالي "أجهش بالبكاء بشكل غريب وانهالت دموعه على بزة الأسعد" بحسب ما يروي الأخير في حديثه إلى "نداء الوطن". لكنّ التواصل الحقيقي والبنّاء لم يبدأ إلا بعد خروج الجيش السوري من لبنان ومن عكار تحديداً بسبب منع السوريين آنذاك التواصل بين أتراك الكواشرة والسفارة التركية في بيروت. فتوالت زيارة السفراء إلى الكواشرة لتبدأ معها مرحلة من العلاقات والإنماء فرضتها الأصول والجذور والإنتماء.

الهدوء يطبع القرية

تمتاز هذه القرية بهدوئها وسكونها وهي الصفة التي تطبع أهلها الذين يشبهون الأتراك بشكل كبير. وتتمتع الكواشرة بصيت تركماني كون كل أهلها من الطائفة السنّية. دخلنا إلى الكواشرة عند الساعة 12 ظهراً، من مدخلها الواقع على فم طريق عام حلبا – البيرة –القبيات، حيث يخيّم السكون طوال الطريق إلى أن نخترق قلب البلدة فيختلف المشهد قليلاً. على الطريق أطفالٌ يلعبون وفي البهو الخارجي للمنازل نسوة يحضّرن الطعام وبعض الرجال يتبادلون الأحاديث، وما إن تسألهم عن عنوان رئيس البلدية أو المختار حتى تتبدّل اللغة وتنتقل من العربية إلى التركية.

"كل أهالي الكواشرة يتحدثون التركية بطلاقة". يقول خالد الأسعد وهو المسؤول عن ملف التواصل مع السفارة التركية. ويتابع: "كان والدي وجدي يتحدثان اللغة التركية، أسوة بجميع الأهالي. وهناك أستاذ مكلف من السفارة التركية يقصد البلدة منذ العام 2008 لتعليم أبنائنا اللغة التركية وتعزيزها".

أضاف: "إنتماؤنا التركي لا ينتقص من هويتنا اللبنانية أبداً ورغم أننا نتقن اللغة التركية، إلّا أن ولاءنا للدولة اللبنانية ولنا كل الفخر في ذلك، لا سيما وأن غالبية أبنائنا يخدمون في الجيش اللبناني، وبعضهم دفع دمه فداء للوطن". ويشدد على ضرورة "تعزيز التعاون التركي – اللبناني في جميع المجالات لأن ذلك يصبّ في مصلحة لبنان ومصلحة عكار بشكل خاص لدعم المؤسسات التعليمية على سبيل المثال حيث يمكن للدولة التركية أن تلعب دوراً ايجابياً في هذا الخصوص".

لا عادات خاصة

العلمان التركي واللبناني يرفرفان في أكثر من مكان وفوق أكثر من منزل في مشهد استثنائي. وقد رسم البعض العلم التركي على جدران المنازل. الشباب يفتخرون بأنهم يجيدون اللغة التركية ويتابعون المسلسلات التركية من دون دبلجة ويفهمون مضمونها. وقد استفاد الشباب والشابات من عشرات المنح الدراسية الجامعية التي وفّرتها الحكومة التركية.

وقد ذاب أهالي الكواشرة التركمان في واقعهم العكّاري واللبناني فلا تميّزهم أي عادات خاصة أو طقوس معينة عن باقي أهالي القرى والبلدات العكارية، كما كان يحصل سابقاً في الأعراس أو المناسبات، باستثناء اللغة التركية التي يتقنونها جيداً والتي لا يتحدثونها إلا في ما بينهم لأن أهالي القرى المجاورة لا يتقنونها البتّة، كما أن عدداً من الأهالي يسمّون أبناءهم بأسماء تركية مثل (غولاي وتعني الوردة، وايضن وتعني القمر، وغولجان وتعني روح الورد ...).المساعدات التركية

في الكواشرة ثانوية بناؤها تركي ومنهاجها لبناني، ومياه نبعها لبناني ولكن تنفيذ شبكتها تركي. يد الإنماء التركية في هذه القرية البالغ عدد سكانها قرابة الـ 4000 نسمة واضحة وجلية وقد تفوق ما قدمته الدولة اللبنانية.

يقول رئيس البلدية محمد عبد الكريم محمد لـ"نداء الوطن": "لقد قدّمت لنا الحكومة التركية العديد من المساعدات الهامة ونحن في صدد بناء مركز بلدي عبر وكالة الـ TIKA ومستوصف مع سيارة إسعاف مجهزة أيضاً". أضاف: "نحن نشكر الحكومة التركية على دعمها للكواشرة وللبنان بشكل عام، ونحن نشجّع الأتراك على العمل مع باقي القرى الأخرى. ونحن نعتز بهويتنا اللبنانية ونحن تحت سقف الدولة اللبنانية ومرجعيتها وعلاقتنا مع قرى الجوار ممتازة تسودها المحبة والإلفة والتعاون".

رغم مرور أكثر من 400 سنة على توافد الأتراك إلى لبنان، إلا أن أهالي الكواشرة لا يزالون يحافظون على لغتهم التركية التي يعتبرونها الرابط الأول مع جذورهم التركية ومع أنسبائهم في كونيا. وقد زار الكواشرة كل من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء التركي أحمد داوود أوغلو... وتبقى هنا في الكواشرة الهوية اللبنانية هي الأساس بالنسبة إلى الأهالي الذين لا ينسون مطالبة الدولة اللبنانية "بتنمية بلدتهم ومنحها نصيبها من المشاريع والخدمات اللازمة".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.