عيسى مخلوف

أميركا اليوم متوتّرة ومرعبة أكثر من أيّ وقت مضى

10 آب 2019

14 : 14

مررتُ أمس أمام متحف "اللوفر" وتذكّرتُ اللحظة التي جمعت الروائيّة الأميركيّة توني موريسون بهذا المكان. في العام 2006، دعاها المتحف إلى رؤية مجموعاته الفنية وتقديم نظرتها الخاصّة من خلال برنامج متنوّع تحت عنوان "غريب في بلاده"، وهو موضوع يطالعنا في مجمل أعمالها الروائيّة، وخصوصاً في روايتيها "جاز" و"محبوبة". جالت الكاتبة في الأجنحة الفرعونية والإغريقية والرومانية، ورصدت علاقة الإنسان بالتّيه والعزلة منذ الأزمنة البعيدة. وفي المحاضرة الافتتاحيّة، تحدّثت عن هذا الموضوع من خلال لوحة "طوافة قنديل البحر" للفنّان تيودور جيريكو.

تحضر معاناة الإنسان الأسود في التاريخ الحديث، بأشكال مختلفة، في أعمالها الروائيّة التي تنهل من الثقافة الأفرو- أميركيّة وأساطيرها وموسيقاها، من ذاكرتها ومن همومها الحياتيّة وفي مقدّمها العنصريّة والعبوديّة والاضطهاد والطفولات المعذّبة وأوضاع المرأة، وبالأخصّ المرأة السوداء. ومن خلال هذه الخصوصيّة، تلقي موريسون نظرة عامّة على المجتمع الأميركي بأكمله. روايتها "بيت" تغوص في أميركا الخمسينات من القرن العشرين وفي التمييز العنصري. البيت، في هذه الرواية، لا يحيل بالضرورة إلى مكان. وهي تقول بهذا الصدد: "أعتقد أنّ غياب هذا المكان هو المكان بالنسبة إليّ. إنه المنزل الذي وُلدتُ فيه، وتَدَمَّر مع المنازل والشوارع التي كانت حوله".

سؤال الغربة عند توني موريسون يصبح سؤال المنفى الذي لا ينحصر فقط في معناه الجغرافي. و"المنفى، هنا، هو حين يضيّع الإنسان مكانه في العالم"، حسب تعبير سارتر.

من الأسئلة الأساسيّة التي طرحتها موريسون أثناء تواجدها في "اللوفر": "كيف يمكن المرء أن يبقى إنسانياً في هذا العالم؟". بكلام آخر: كيف لا ننجرف مع المنجرفين نحو الهاوية، وكيف نحتمي من جاذبيّة الموت، وهي دائماً في أوجها؟ ليس الموت الذي يأتينا في سُرَّة الولادة، والذي تكتمل به دورة الحياة، بل الموت الذي يولّده الحقد والتفرقة والإقصاء، ذاك الموت الذي يحطّ من قَدْرنا الإنساني.

الفكرة الواحدة مصدر خطر، حتى لو كانت صحيحة، فكيف إذا كانت مبنيّة على أوهام وخرافات وفرضيّات خاطئة؟ وهي التي تفتح باب الطغيان وتؤسّس للحروب وللصراعات المزمنة. أمّا لغة الحوار فتؤكّد أنّ الأرضَ فسيحة، تتّسع لأشخاص مختلفين ولآراء مختلفة، كما يتّسع سماؤها للغيم، وليلها لملايين النجوم.

الشعور بالاغتراب داخل الوطن، وداخل الذات، ينمو ويكبر في غياب قبول الآخر وعدم احترام الاختلاف. تعبّر عنه الكاتبة في أدبها وفي مواقفها السياسيّة الجريئة. ولئن كانت تساؤلاتها تنطوي على كآبة وجرح، أي على حقيقة العالم الذي نعيش فيه، فهي أيضاً تساؤلات ترشح بالأمل، كأنّ قدَر الكاتب أن يظلّ تلك النافذة المطلّة على شعاع سيأتي لا محالة.

حين طلبت منها إحدى دور النشر أن تكتب تقديماً لأعمال بريمو ليفي، استوقفها ما رواه هذا الكاتب الإيطالي حين كان أسير أحد المعتقلات النازيّة. قالت: "ذات يوم، كان يسير وحده في البرد، وكانت قطع من الجليد معلّقة على أغصان الأشجار، فمدّ يده واقتطع واحدةً منها ليشرب ماءها. وصل الحارس فجأةً وانتزعها من يده. وعندما سأله: لماذا؟ لماذا تأخذ منّي قطعة الجليد هذه، وهي ستذوب أصلاً؟ أجابه الحارس: لا يوجد "لماذا" هنا". روت موريسون هذه الحكاية لتكشف عن أحد هواجسها الأساسيّة في الكتابة. فهي، في مؤلّفاتها، تركّز على سيرة المضطهدين والمظلومين فحسب. "لا يعنيني الذين يجسّدون الظلم. ألتفت فقط إلى الضحايا"، تقول.

موضوع "الغريب في بلاده" يختزل تجربة موريسون الخاصّة التي هي جزء من تجربة السود الأميركيين في فترة زمنيّة محدّدة، ومن تجارب شعوب عدّة عبر الزمن، من الهنود الحمر إلى الفلسطينيين. هناك دائماً جريمة تُرتَكب بحقّ شعب ولا تلتفت إليها البشريّة إلاّ بصورة متأخّرة، وبعد أن تكون وجدت ضحيّة أخرى يُضحَّى بها. لمواجهة هذا الواقع، تشجّع الكاتبة على القراءة وتعتبرها فعلاً سياسيّاً، مثلما كانت تصبو إلى أن يكون نتاجها الأدبي "جميلاً بلغته، وأيضاً بما يسفر عنه على المستوى السياسي". هي التي تحمل في حنجرتها عذابات الإنسان الأسود، كما حملتها صرخة مارتن لوثر كينغ في خطابه الشهير "لديّ حلم"، وكما حملها صوت بيلي هاليداي في أغنياتها كافّة، وخصوصاً تلك التي بكت فيها الذين ماتوا شنقاً، ذات يوم، في الجنوب الأميركي، وبدت أجسادهم المتدلّية من الأشجار كأنّها "ثمار غريبة".

تعرف توني موريسون أنّ وضع السود في أميركا اختلف عمّا كان عليه في الماضي، "لكنّ أميركا اليوم متوتّرة ومرعبة أكثر من أيّ وقت مضى"، على حدّ تعبيرها.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.