السودان: المتطوّعون يتحدّون الصعاب لمكافحة الجوع

4 دقائق للقراءة
خلال توزيع وجبات في أم درمان في 27 تموز 2024 (رويترز)

تتزايد معاناة المتطوّعين في السودان مع تصاعد الصراع، حيث يقول مسؤولون في الأمم المتحدة إن أكثر من نصف سكان البلاد، أي 25.6 مليون شخص، يعانون من الجوع الحاد ويحتاجون إلى مساعدات عاجلة، في وقت يُشير العديد من المتطوّعين الذين قدّموا المساعدات الإنسانية لأشدّ الناس فقراً إلى أن الهجمات المتكررة من الطرفين المتحاربين، الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تعيق جهودهم وتمنع وصول المساعدات الضرورية.

منذ اندلاع الصراع قبل 17 شهراً، يعيش الملايين في ظلّ أكبر أزمة جوع في العالم، ولتلبية هذه الاحتياجات الماسة، أطلق المتطوّعون المحلّيون العديد من المطابخ الخيرية، المعروفة في السودان باسم "التكايا"، التي تُقدّم وجبات ساخنة للنازحين والمحتاجين. لكن، على الرغم من نواياهم الطيّبة، فإنّ المخاطر المتزايدة تجعل عملهم في غاية الصعوبة.

وقال عبد الله قمر، أحد المنظّمين في ولاية الخرطوم إنّه مع تفشّي الجوع أنشأت غرف الطوارئ 419 مطبخاً بهدف خدمة أكثر من مليون شخص يوميّاً في الولاية وحدها. لكنّ المتطوّعين يُكابدون لتأمين 1.175 مليون دولار لازمة لذلك كلّ شهر. وكشف قمر لوكالة "رويترز" أنهم تلقوا في أيلول نحو 614 ألف دولار.

تحدّثت "رويترز" مع 24 متطوّعاً يُديرون مطابخ في ولايتَي الخرطوم ودارفور، حيث أفاد معظمهم بأنهم تعرّضوا للاعتداءات والتهديدات من كلا الطرفين. وأكد أحد المتطوّعين من مدينة بحري، وهي جزء من العاصمة السودانية، أن قوات الدعم السريع سرقت هاتفه ومبلغاً نقديّاً كان مخصّصاً لتقديم الغذاء للمحتاجين. وذكر أنه كان واحداً من عدّة حالات تعرّض فيها المتطوّعون للاعتداء أو الاحتجاز، ما يزيد من الضغط على الفرق التي تسعى إلى تقديم المساعدات.

كما أشار المتطوّعون إلى أنهم واجهوا مواقف أكثر خطورة مع زيادة التمويل الدولي للمطابخ، حيث تُعتبر هذه المطابخ الآن أهدافاً للنهب. يقول جهاد صلاح الدين، وهو متطوّع غادر الخرطوم، إنّهم كانوا في أمان قبل أن يبدأ الآخرون في معرفة مصادر التمويل، لكنّ الوضع تغيّر بعدما أصبحوا مستهدفين.

من جهته، قال مدير برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في السودان إيدي رو: "المطابخ المجتمعية في السودان تُشكّل شريان حياة للأشخاص الذين تقطّعت بهم السُبل في مناطق تشهد صراعاً مستمرّاً". وأضاف: "من خلال دعمها، يتمكّن برنامج الأغذية العالمي من توصيل الغذاء إلى أيدي مئات الآلاف من الأشخاص المعرّضين لخطر المجاعة، حتّى في مواجهة القيود الشديدة على الوصول إلى المساعدات".

ورغم كلّ هذه التحدّيات، فإنّ المنظّمات الإنسانية الدولية كثّفت دعمها للمتطوّعين المحلّيين، إلّا أن ذلك لم يُخفّف من تعرّضهم للنهب أو الاعتداء. كما يتحدّث المتطوّعون عن زيادة في عدد الحوادث التي تشمل السرقة والضرب، بحيث تمّت الإشارة إلى أكثر من 25 حادثة منذ بداية الصيف، ما أدّى إلى مقتل 3 متطوّعين على الأقلّ في هجمات مسلّحة.

في السياق نفسه، تكافح المجتمعات التي تعتمد على هذه المطابخ لتلبية احتياجاتها الغذائية، بحيث بدأت هذه المطابخ في تقليل عدد الوجبات المقدّمة بسبب نقص التمويل. وفي بعض المناطق، أُغلقت المطابخ لفترات طويلة، ما دفع السكان النازحين إلى تناول الحشائش وأوراق الشجر للبقاء على قيد الحياة.

هذا وتتزايد الضغوط المالية على المتطوّعين، إذ تراجعت تبرّعات المغتربين السودانيين، ما أثر سلباً في قدرتهم على تقديم المساعدات. ووفق المتطوّعين، فإنّ معظم الدعم كان يأتي في السابق من السودانيين في الخارج، لكنّ مواردهم بدأت تنضب مع مرور الوقت.

إضافةً إلى ذلك، تردّد العديد من المانحين الأجانب في دعم البرامج غير المسجّلة، في وقت يعتمد فيه العديد من هذه المطابخ على حسابات مصرفية شخصية، ما يخلق تحدّيات إضافية في الحصول على التمويل. وبحسب ماتيلد فو، المسؤولة في المجلس النرويجي للاجئين، فإنّ هناك عزوفاً عن المخاطرة عند تقديم الدعم للبرامج غير المسجّلة.

من جانب آخر، أدّت الفيضانات المفاجئة خلال موسم الأمطار إلى تفاقم الأوضاع الصحية، بحيث تزايدت حالات الإصابة بأمراض مثل الكوليرا والملاريا، ما أدّى إلى مزيد من الضغط على الموارد المتاحة. وفي الوقت نفسه، انخفضت قيمة الجنيه السوداني بشكل كبير، ما ساهم في ارتفاع أسعار المواد الغذائية إلى مستويات غير مسبوقة.

وفي ظلّ هذه الظروف الصعبة، يواصل المتطوّعون عملهم بتفانٍ، على الرغم من المخاطر التي يتعرّضون لها، إذ إن التزامهم بمساعدة المجتمعات المتضرّرة يظهر قوة الإرادة الإنسانية في مواجهة الأزمات. ولفت المتحدث باسم غرفة الطوارئ في جنوب الخرطوم محمد عبد الله إلى أن العديد من المتطوّعين يختبئون في بعض الأحيان لتجنّب التعرّض للاعتداء، لكنّهم لا يزالون يواصلون عملهم.