ريتا عازار

ميشال وينوك في كتاب الجنازات...

لو حضرت جنازتك لما عرفت نفسك!

4 دقائق للقراءة

لم يَمُر في بالي كثيراً أنّ التاريخ قد يقرّر أن يكتب فصلاً أخيراً ليس عبر إنجازات الأدباء والسياسيين والمشاهير، بل عبر جنازاتهم! وكأنّ هؤلاء الذين قضوا حياتهم يكتبون الحب والحرب والسياسة والفكر، انتهوا إلى مشهد ختامي مليء بالرسميات والجماهير الحزينة، لو تسنّى لهم مشاهدته لما صدّقوه. 

في كتابه الجديد "الجنازات"، يقدّم المؤرّخ الفرنسي ميشال وينوك لقرّائه، رؤية مبتكرة حول الجمهورية الثالثة عبر شيء قد لا يخطر في بال: جنازات رموزها من القادة السياسيين إلى الكتّاب والشعراء، مروراً بمن وقعوا ضحية الاغتيال أو المرض، يجمع المؤرّخ قصص خمسة عشر رجلاً وخمس نساء، عاشوا خلال الفترة الممتدة بين 1871 و 1914، وكأنّ التاريخ مجرّد مسرحية انتهت كلّ فصولها بجنازات مهيبة.

كارنو ومخاطر المهنة


في 24 حزيران 1894، لم يكن رئيس الجمهورية سادي كارنو يعلم أنّ نهايته ستكون دراميّة. في أثناء جولته بسيارته المكشوفة في مدينة ليون، تعرّض لهجوم من فوضوي إيطالي، وتوفّى بعد 24 ساعة. كان قد شارف على إنهاء ولايته الرئاسية التي تميّزت بأزمات مثيرة، من الفوضويين إلى فضيحة باناما، وكأنّ الدراما كانت مكتوبة سلفاً. بعد وفاته، عاشت فرنسا في حالة صدمة. فقد أصبح المهندس السابق في مجال الجسور والمواصلات، الذي دخل السياسة كجمهوريّ معتدل، شهيداً للجمهورية. يقول ميشال وينوك: "منذ جنازة فيكتور هوغو في 1885، لم نشهد موجة بشريّة مماثلة. رأى كليمنصو أنّ الرئيس، رغم أنه لم يكن "عبقرياً"، قدّم لبلده كلّ ما كان لديه، بما في ذلك حياته". بعد جنازته التي أقيمت في الأول من تموز في كاتدرائية نوتردام في باريس بحضور خليفته كازيمير-بيرييه، دُفن سادي كارنو في البانثيون إلى جانب جدّه الثوري لازار كارنو. ولا يزال حتى اليوم الرئيس الوحيد الذي يرقد هناك.

جورج صاند لم ترغب بجنازتها

جورج صاند، الكاتبة المتمردة والمعلنة لعدائها للدِّين، وجدت نفسها في جنازة دينيّة رغماً عنها! نعم، لقد أصرّت ابنتها صولانج على جنازة تقليديّة فقط كي تكون النهاية ساخرة بما يكفي لتجعل الجميع يتساءلون: "هل كانت هذه إرادة صاند؟"، بالطبع لا!


"حتى لا يُؤذى الرأي العام، ذهبت إلى الكنيسة!"، صرخ الأديب الشهير غوستاف فلوبير بغضب. عندما توفّيت في 8 حزيران 1876 في نوهان، في مقاطعة إندر، نتيجة انسداد معوي طويل، كانت أورور دوبين، المعروفة باسم جورج صاند، قد تخلّت عن الدِّين منذ مدّة طويلة. "أقيمت جنازتها في 10 حزيران، تحت المطر، إذاً، بناءً على رغبة ابنتها صولانج التي، رغم مشاعر المتوفاة ورغبتها، أصرّت على جنازة دينية"، كما يروي ميشال وينوك. "ربما من كراهيتها لأمها"، قال يومها فلوبير. ومع ذلك، حضر الجنازة حشد من الأصدقاء والزملاء، واحتاج الأمر عدة سنوات حتى حصلت الكاتبة على تمثال يخلّدها في حدائق لوكسمبورغ، بعد معركة مع السلطات التي كانت ترى في ذلك "سابقة سيئة".


هوغو شاعر في البانثيون


"ستودَع رفات العظماء الذين يستحقون امتنان الأمّة في هذا المكان"، بموجب مرسوم صدر في 26 أيار 1885 تكريماً لفيكتور هوغو، "عاد البانثيون إلى استخدامه الأصلي والقانوني". بعد أربعة أيام من وفاته بسبب التهاب رئوي، كان "رجل القرن" في ذروة مجده. صوّتت حكومة جول غريفي على إقامة جنازة وطنية له. "أصبح هوغو، الذي قُدِّس تقريباً، رمزاً جمهورياً. وستكون جنازته شبه احتفالية"، كما كتب ميشال وينوك. في ليلة 31 أيار إلى أول حزيران، وُضع مؤلِّف "البؤساء" تحت قوس النصر، مغطّى بقطعة قماش سوداء. وعند الظهيرة، على صوت 21 طلقة مدفع، بدأت الجثّة رحلتها إلى البانثيون في "عربة الفقراء"، حسب رغبته. تبع الجنازة نحو مليوني شخص من ساحة النجمة إلى شارع سوفلوت، حيث انتظرهم حشد كبير لوداع الكاتب والجمهوري الذي خاض كلّ معارك عصره: محو الأمية، حق الاقتراع العام، إلغاء العبودية وعقوبة الإعدام... مرّت الجماهير أمام النعش الفخم لمدة أربع ساعات. "قادت الأمة الفرنسية فيكتور هوغو إلى مثواه الأخير"، هكذا اختتم الكاتب والصحافي ألبير وولف مقاله في صحيفة "لوبيل".

يبدو أنّ التاريخ يملك حسّ فكاهة خاصاً به. فهو يصرّ على أن تكون آخر فصول حياة هؤلاء الرموز مليئة بالمفارقات، سواء كانت جنازات دينية لملحدين أو جثثاً موزّعة على أكثر من مكان. إن كنتَ من أصحاب السلطة أو الفن في أية جمهورية أو مملكة، فاحذر: جنازتك قد تكون أكثر إثارة من حياتك نفسها! وفي كل مرة، يتأكد لنا أن الموت، حتى في أوج جديته، لا يخلو من لمسة عبثية تجعلنا نبتسم وأحياناً قد نقهقه رغم الحزن.

* كتاب: Pompes Funèbres - Les Morts Illustres 1871-1914 - الكاتب: Michel Winock - الناشر : Perrin