داخل أروقة مراكز الإيواء في صيدا، تتشابك خيوط حكايا النازحين القادمين من القرى والبلدات الجنوبية، لترسم لوحة حياة موقّتة فرضتها آلة الحرب الإسرائيلية على لبنان. تختلف تفاصيل كل حكاية، لكنّها تتوحّد في روح الإصرار على الصمود والتشبّث بالحياة في زمن الموت.
نزحت الأم زهراء إسماعيل من بلدتها الجنوبية، طوراً، بحثاً عن الأمان لعائلتها. وجدت ملاذاً موقتاً في ثانوية نزيه البزري الرسمية في صيدا، حيث احتمت من أهوال الحرب. بعد أيام قليلة من وصولها، وضعت مولودها إبراهيم، ليصبح النزوح بالنسبة إليها تجربة مزدوجة، تجمع بين فرحة الأمومة ومرارة الابتعاد عن منزلها وذكرياتها.
داخل إحدى غرف التدريس التي تحوّلت إلى مأوى لها ولعائلتها، حيث تداخلت أواني الطعام مع أدوات التدريس، واللوح مع المقاعد الخشبية، تروي زهراء لـ"نداء الوطن" تفاصيل ولادتها وسط ظروف النزوح القاسية. رغم الألم، تذكر بامتنان المبادرة الطيبة من المشرفات على المركز، اللواتي بذلن جهداً لرسم بعض البهجة في قلبها.
تضيف: "عندما غادرت بلدتنا، لم يكن يفصلني عن موعد ولادتي سوى أيام قليلة. بقي القلق يُساورني في كل حين، إذ لم أكن أفكر في نفسي فقط، بل بحياة طفلي قبل أن يرى النور. عندما وصلت إلى مركز الإيواء، بدأت أشعر بأعراض المخاض. نُقلت حينها إلى مستشفى الدكتور وليد قصب في صيدا، وهناك وضعت طفلي بسلام. اخترت له اسم إبراهيم، تيمّناً بعمّه".
لا تُخفي زهراء أنّ تجربتها الحالية كانت مختلفة عن السابقة، فقد سبق أن عاشت تجربة الولادة عندما أنجبت ابنها البكر، علي، في ظروف طبيعية. تقول: "شعرت بالتعب هذه المرة، فلا أحد يشعر بالراحة خارج بيته. وإن شاء اللّه، فسنعود إلى منزلنا ونتذكر كل هذه التجربة". لم تغفل زهراء الإشادة بدور المتطوّعات اللواتي أشرفن على المركز: "لم يقصّرن في أداء واجبهنّ، فقد قدّمن لنا كل الدعم والإرشاد، وسأظلّ ممتنة لهنّ كعربون محبة ووفاء". أما المشرفة في فريق "الرعاية"، كوثر القيسي، فتشير إلى "أننا تعرفنا إلى زهراء فور وصولها إلى المركز، وحرصنا على تقديم الرعاية اللازمة لها، خاصة بعد أن علمنا بأنها على وشك الولادة، فكان من واجبنا أن نتابع حالتها عن كثب".
وأضافت: "أخبرت المتطوّعات أن زهراء كانت تتمنى أن تلد في بيتها وسط الاحتفال والزينة. لذلك، زينّا غرفتها وأعددنا الشوكولا وثياب الطفل، ليكون استقبالها بعد الولادة أقرب إلى دفء البيت. صحيح أنها لم تكن في منزلها، لكننا أردنا أن نخفّف شعورها بالوحدة قدر الإمكان في غرفة مليئة بالمقاعد والألواح".
تكرار التجربة
حكاية زهراء ليست الوحيدة في زمن الحرب، فقد عاشت أمل غرابي تجربة الأمومة نفسها خلال عدوان تموز عام 2006 في أحد مراكز النزوح في صيدا. اليوم، عادت أمل نازحة من بلدتها شقرا إلى ثانوية الإصلاح الرسمية المختلطة، وهو المركز ذاته الذي لجأت إليه سابقاً خلال العدوان. في ذلك الوقت، وضعت ولدها علي، الذي أصبح الآن شاباً يشاركها معاناتها. تعيش أمل كابوساً مزدوجاً: ذكريات الماضي الأليم والخوف من المستقبل المجهول.
وتقول لـ"نداء الوطن": "ما أشبه الأمس باليوم، بعد 18 عاماً وكأنّ التاريخ يُعيد نفسه. كنت أردّد دائماً حين أزور صيدا: تنذكر وما تنعاد. لكن اليوم، عادت إسرائيل لتشنّ حرباً جديدة على الجنوب، تقتل المدنيين وتجبرهم على النزوح، تدمّر البيوت وتحرق الأشجار".
تستعيد أمل بحسرة وهي تجلس على مقعد دراسي خشبي، ذكرياتها في العام 2006: "حينها كنت حاملاً بابني علي، نزحت من بلدة شقرا، والطائرات تحلّق فوق رؤوسنا. اليوم، عدنا إلى المركز نفسه تحت القصف. لا يمكنني نسيان تلك الفترة. رغم التعب والمرارة، أصرّ النازحون على الاحتفال بولادتي، ووزّعوا الحلوى و"المغلي". اليوم، بات علي الشاب نازحاً في المركز نفسه الذي وُلد فيه. عدنا إلى التاريخ نفسه". وتختم: "مع كل رحلة تهجير، كنا على يقين بأننا سنعود إلى بلدتنا. سنعود إلى الجنوب الغالي".