طوني عطية

تِريز ونَزْهة: حكاية صمودٍ... ونزوحٍ بمواكبة "أممية"

3 دقائق للقراءة
الشقيقتان تغادران القوزح نحو رميش

في كنف الحروب ترعرعوا ووسط غياب الدولة نشأوا. مواطنون مع وقف التنفيذ. ذنبهم أنهم مُقيمون على حلبة صراع مشبوكة بحزام من التوتّرات الإقليمية المزمنة. يجاورون القضايا والنزاعات الكبرى ولا رأي لهم فيها. يواجهون النار والموت والإهمال والتهجير ثمّ يستأنفون الحياة. مرّ الكثير والكثيرون عليهم.



فوق تلّة مُشرفة على بلدات ومناطق القطاعين الغربي والأوسط، وجزء من الأراضي والمواقع الإسرائيليّة لا سيّما مركز "الراهب" العسكري، تقع بلدة القوزح في قضاء بنت جبيل. تتحلّق منازلها القليلة، القديمة والجديدة حول كنيستها العتيقة الأثرية، قبل أن تتحوّل إلى خربةٍ يسكنها المقاتلون وتجول الغارات والمدفعية فوق حاراتها وبين أزقّتها. تُشكّل مع عيتا الشعب ورامية مثلّث احتراب ساخنٍ بين "حزب اللّه" والجيش الإسرائيلي. زُجَّ بها باكراً إلى "مَقمَرة" المساندة والمشاغلة التي أثبتت فَشَل "محور الممانعة" في لعبة "قواعد الاشتباك"، لتفتح الحرب بابها على مصراعيه، متخطّيةً في بطشها ودمارها حرب تمّوز 2006.



منذ الأشهر الأولى، نزح معظم أهالي القوزح عن قريتهم، فتوجّهت 56 عائلة إلى مناطق جبل لبنان، و7 عائلات توزّعت بين رميش ودبل، ولم يبقَ فيها سوى أربعة أشخاص فقط: تريز نجم وشقيقتها نزهة، رِفعَت أبو الياس وزوجته. لكنهم لم يكونوا متروكين أو منسيين. معهم كاهن الرعية الأب طوني حنّة (من دبل) الذي يزورهم كلّ يوم لتفقّدهم وتأمين حاجياتهم رغم القصف وطائرات الاستطلاع. يمرّ الكاهن الشجاع بجوار البيوت الباردة والمهجورة قسراً. بحرقة ينظر إلى الحقول التي باتت مزروعة بالقذائف والصواريخ بدل مواسم الفلّاحين. يسمع أنين الغائبين والمتلهّفين شوقاً إلى ديارهم، إلى الأزقّة والشوارع والجلول، إلى الذكريات الطيّبة المصنوعة بروح القرويين. وفيما المعارك تعصف بجنونها جنوباً، يأخذ الأب حنّة معاناتهم ويقدّمها إلى مذبح كنيسة مار يوسف، محتفلاً بالذبيحة الإلهية كلّ يوم حتّى لو كان وحيداً. "يُقدّس" على نيّة لبنان والسلام ووقف الحروب.



مع تطوّر الميدان وبدء مرحلة التوغّل البرّي الإسرائيلي، اشتدّت المعارك على محور القوزح - عيتا الشعب، نظراً لموقعه العسكري الاستراتيجي في القطاع الغربي، إذ يُعدّ نقطة عبور للقوّات الإسرائيلية من الشريط الحدودي باتجاه الخطّ الدفاعي الثاني لـ"حزب اللّه"، كما أنّه يُشرف على عدد من قرى وبلدات قضاء صور.


إزاء هذا الواقع، توجّه أبو الياس وزوجته إلى رميش ثمّ إلى جبل لبنان في وقت لاحق، فيما أصرّت تريز ونزهة على البقاء في منزلهما أو بالأحرى تحت عتبة الموت. النزوح أيضاً بالنسبة إليهما هو موت. حتى في زمن السلم المخادع والهشّ، لم تغادرا القرية إلّا نادراً وفي مناسبات معدودة، فالقوزح هي وطنهما. لأكثر من سنة لم تهزّهما صيحات المدافع ولا هدير الطيران وأزيز الرصاص، لا الخوف ولا المجهول. 



لأكثر من سنة سطّرت تريز ونزهة صموداً أسطوريّاً، إلّا أن موعد الرحيل كان لا بدّ منه، فحياة كلّ منهما أغلى من حربٍ لا تُفرز سوى الموت والدمار والانتصارات الواهمة والرهانات الخاسرة. غادرتا القوزح بعد جهود حثيثة قام بها كاهن رعية دبل الأب فادي فلفي (من القوزح) لإقناعهما بالانتقال إلى دير سيدة البشارة في رميش، بمواكبة عناصر من الكتيبة الغانية في قوّات "اليونيفيل"، بعد رفضهما القاطع بالتوجّه عند أقربائهما في المتن. نزحتا وفي قلبيهما أمل العودة قبل أن يغدرهما العمر.