مع اتساع رقعة الحرب الإسرائيلية على جنوب لبنان وبلوغ حركة النزوح ذروتها نحو المناطق الأكثر أماناً شمالاً، شهدت أسعار إيجارات الشقق في صيدا ومحيطها، وكذلك في مختلف المناطق، ارتفاعاً كبيراً، حيث بلغت ثلاثة أضعاف قيمتها السابقة.
هذا الارتفاع غير المسبوق يأتي في وقت يعاني فيه النازحون من ضغوط معيشية خانقة، حيث يضطر المستأجرون الجدد إلى دفع مبالغ مالية كبيرة تتضمن تسديد إيجار مسبق لمدة ثلاثة أشهر، وتتجاوز في بعض الأحيان الستة أشهر. هذه الأعباء المالية الإضافية تزيد من معاناة النازحين، الذين بالكاد يستطيعون تأمين احتياجاتهم الأساسية من الغذاء والدواء، في ظل الظروف الاقتصادية المتدهورة التي تشهدها البلاد. ورغم الروح التضامنية التي أظهرتها بعض العائلات اللبنانية في احتضان النازحين، برزت ظاهرة الإستغلال في السوق العقارية، حيث يقوم أصحاب بعض الشقق والسماسرة برفع الأسعار بشكل غير مبرر، مستغلين حاجة النازحين إلى السكن، ما أدّى إلى تفاقم معاناتهم.
يقول عبد الله سويد الذي فرَّ مع عائلته المكونة من خمسة أفراد من نيران الحرب في الجنوب، ولجأ إلى مركز متوسطة الشهيد معروف سعد الرسمية في صيدا، بعدما اصطدم بارتفاع أسعار الإيجارات: "حين نزحت عن بلدتي الضهيرة الحدودية، قررت استئجار منزل في صيدا، ولكن للأسف لم أجد ما يتناسب مع قدرتي المالية. الجيوب فارغة، وأسعار الشقق نار، والمصروف في ظلّ الحرب كبير جدّاً، ومتطلبات الحياة أصبحت باهظة بشكل لا يُطاق. ويضيف: "أشعر بحسرة كبيرة وأنا أرى عائلتي تعاني من عدم الإستقرار، فقد تركنا كلّ شيء خلفنا. أشعر وكأننا أصبحنا مجرد أرقام في سوق العقارات".
ارتفاع جنوني
قبل الحرب، كان إيجار الشقة الشهري يبلغ نحو 300 دولار أميركي، أما اليوم، في ذروة الحرب، فقد وصل إلى نحو 900 دولار أميركي. ويُطلب منهم الدفع مسبقاً عن شهر، أو ثلاثة أو حتى ستة أشهر. هذه الأسعار الباهظة تضع النازحين في مأزق حقيقي، حيث يجدون أنفسهم مضطرين للاختيار بين الاستسلام لضغوط الإيجار أو المكوث في مركز إيواء. تقول "أم محمد" ذهني، التي نزحت من بلدة طورا الجنوبية: "بعد اشتداد القصف على البلدة وقرب المنزل، هربنا ولم نفكر بشيء سوى النجاة. وعندما وصلنا إلى صيدا، درسنا كل الخيارات الممكنة والمتاحة، ومنها إمكانية استئجار شقة لفترة زمنية قصيرة، لكننا وجدناها باهظة جدّاً. لا تكمن المشكلة في الأسعار الجنونية فحسب، بل في الدفع المسبق الذي يعجز النازحون عن تأمينه. لذا لجأنا إلى مركز إيواء". وتشير "أم محمد"، التي لا تسمع جيّداً بسبب إصابتها في عدوان 2006، إلى أن الحرب كشفت معادن الناس "بعضهم سارع إلى استضافة النازحين وتقديم كل ما يمكن لهم، بينما اعتبر البعض الآخر هذه المحنة فرصة استغلال بلا رأفة أو إنسانية".
عرض وطلب
يدافع أصحاب الشقق والسماسرة عن أنفسهم، معتبرين أن الارتفاع في الأسعار يأتي نتيجة الطلب المتزايد، ما أدى إلى زيادة كبيرة في الإيجارات. إذ اعتبر أبو حسن حمود أن "ارتفاع الأسعار هو أمر طبيعي مع ازدياد الطلب غير المسبوق على إيجار الشقق. كنّا نتمنى أن تبقى الأسعار كما هي، ولكن هذا واقع الحرب، حيث يتغيّر كل شيء كارتفاع أسعار المواد الغذائية، نتيجة الإقبال الكثيف عليها". في المقابل، استضاف العديد من الصيداويين النازحين طوعاً، ومنهم من فتحوا منازل كانت مقفلة، في تعبير عن التضامن والتكافل في هذه الحرب الضروس. بينما عمد آخرون إلى ترك شققهم وتأجيرها بأسعار مختلفة، وانتقلوا للإقامة عند ذويهم، لتصبح المدينة فارغة من الشقق مع اختفاء لافتات الإيجارات عن شرفات المنازل أو داخل مكاتب السماسرة.