تتابع الدول العربية الوضع اللبناني من كثب. وتحاول تخفيف معاناة الشعب من الحرب بغض النظر عن الخلافات السياسية. وإذا كانت بعض الدول تراقب الوضع من بعيد إلا أن المملكة الأردنية الهاشمية تمنح الملف اللبناني الأولوية.
يتمتع الملك الأردني عبدالله الثاني بعلاقات دولية رفيعة. وهو قريب من البريطانيين طبّاخي السياسات العميقة، ومن الأميركيين الذين يديرون العالم. ولا يعتبر متابعته للملف اللبناني غير اعتيادية، بل إن حجم الأحداث يدل على أن عمان تعرف شيئاً ما وتود تحذير لبنان من خطورة الوضع.
شكلت زيارة رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي إلى عمان واجتماعه مع الملك عبدالله مناسبة لنصح الحكومة اللبنانية بما قد يأتي.
صارح حكام الأردن ميقاتي بما يخطط إسرائيلياً. وتشير المعلومات إلى أن ميقاتي علم أن القصة ليست سهلة. وتل أبيب مصرة على استكمال الحرب حتى النهاية، ولا يوجد في الأفق أي حلول لأن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو مصمم على الوصول إلى أهدافه.
ومن أهم نصائح المسؤولين الأردنيين لميقاتي، القبول بالقرارات الدولية لأنها تحمي لبنان، ولا يمكن الاستمرار بدون الشرعية الدولية، كما أن إسرائيل لن تقبل بإبقاء قاعدة إيرانية على حدودها الشمالية، وبالتالي الحرب لن ترحم لبنان لأن لا أحد يعرف إلى أي مدى قد تصل الضربات الإسرائيلية، فمن يقدم على خطوة اغتيال الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله قد يفعل كل شيء ولا يوجد أي قوة تردعه.
وتأتي التحذيرات الأردنية لميقاتي ولبنان من باب الحرص على البلد وليس التهديد. وترفض عمان أن يحل بلبنان ما حصل مع قطاع غزة، وترى أن خريطة الطريق الإنقاذية تتمثل بالقبول بالقرارات الدولية، والعمل على انتخاب رئيس للجمهورية وتأليف حكومة تستطيع مواكبة تطورات المرحلة وتعيد للدولة هيبتها وتعمل على إعادة الإعمار.
وإذا كانت زيارة ميقاتي إلى الأردن متوقعة وتأتي في سياقها الطبيعي، إلا أن اللافت كانت زيارة قائد الجيش العماد جوزاف عون إلى عمان وحجم اللقاءات التي عقدها.
يتابع العماد عون منذ اندلاع الحرب التطورات الميدانية على الأرض، ولم يغادر لبنان حتى إلى مؤتمر باريس الذي أقرّ مساعدات مهمة للجيش، وخرقت زيارته إلى الأردن الأجواء الداخلية، ولم تقتصر اللقاءات على المسؤولين العسكريين حيث اجتمع مع رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأردنية اللواء الركن الطيار يوسف أحمد الحنيطي، بل القمة كانت بعقده لقاء مع الملك عبدالله الثاني.
وشكلت الحرب الطبق الرئيسي في محادثات عون مع الملك عبدالله، خصوصاً أن ملك الأردن يعرف الكثير من مجريات الأمور. ويعطي هذا اللقاء الانطباع بأن الزيارة تحمل دلالات عسكرية وسياسية رئاسية أيضاً. ففي الدلالات العسكرية تشكل مؤشراً الى دور الجيش حيث يشكل حجر زاوية في المرحلة المقبلة خصوصاً عندما يتخذ القرار بوقف إطلاق النار وتعزيز انتشار الجيش بالتعاون مع "اليونيفيل" في الجنوب.
أما سياسياً، فالكل يعلم مدى جدية حظوظ جوزاف عون الرئاسية وبأنه يحظى برضى أميركي وبمباركة عربية، وبالتالي استقباله في القصر الملكي قد يكون تكريساً لمعادلة أنه سيكون رجل المرحلة.
تقع على عاتق الجيىش مهمات كبرى، وإذا كانت هناك متطلبات لوجستية ومالية لتطبيق القرارات الدولية إلا أن القرار السياسي يبقى أولوية في هذه المرحلة. فالأردن مثله مثل بقية الدول العربية يريد للبنان استعادة سيادته وتقليص السطوة الإيرانية، والتطورات المتسارعة توحي بوجود قرار عربي يقضي باسترجاع القرار اللبناني والعربي في بيروت، وبالتالي المنطقة مقبلة على تغيرات كبرى وضعت عمان كبار المسؤولين اللبنانيين في صورتها.