بعد مرور أكثر من شهر على اغتيال أمينه العام، انتخب "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم أميناً عاماً خلفاً للراحل حسن نصرالله. وبعد وقت قصير أعلن مسؤولون إسرائيليون أن كل من يقف على رأس "الحزب" سيكون هدفاً لنا وأيامه ستكون معدودة.
ليست المرّة الأولى التي ينعي "حزب الله" أمينه العام بعد اغتيال نصرالله. فـ"الحزب" الذي كان نتاج الثورة الإسلامية في إيران أعلن رسمياً عن تأسيسه عام 1982 وكان قاسم (مواليد كفرفيلا الجنوب، 1953) أحد أبرز المؤسسين بعدما كان ناشطاً في حركة "أمل"، ونفذ "الحزب" عمليات ضدّ الجيش الإسرائيلي والأميركيين والفرنسيين، ودخل الحرب الداخلية واشتبك مع "أمل" والسوريين، إلى أن أعلن عام 1989 عن انتخاب أمين عام بشكل رسمي هو صبحي الطفيلي الذي بقي في سدّة المسؤولية حتى عام 1991.
أُعفي الطفيلي من منصبه عام 1991 وانتخب عباس الموسوي أميناً عاماً ونعيم قاسم نائب الأمين العام، ولم يسلم الموسوي من النار الإسرائيلية، فاغتالته تل أبيب في شباط 1992. اجتمعت بعدها قيادة "حزب الله" وانتخبت حسن نصرالله أميناً عاماً في 16 شباط 1992، ولم يقع الإختيار على قاسم صاحب العمامة البيضاء لا السوداء.
33 عاماً كان نعيم قاسم فيها الرجل الثاني في "الحزب"، فبعد اغتيال الموسوي وتسلّم نصرالله مقاليد الحكم، كان "حزب الله" يبحث عن موطئ قدم في السياسة، إذ كانت حركة "أمل" الأولى شيعياً، وكان "الحزب" محاصراً بسبب اتهامه بالإرهاب والتفجيرات. فيما كانت إسرائيل تحتل أجزاء كبرى من الجنوب.
بين 1991 و2024، لم يركّز قاسم الذي كان إلى جانب نصرالله على تمويل حزبه وتجهيزه فقط بالمال والسلاح والعتاد، بل عمل على الإيديولوجيا الفكرية والجهادية، وخرق البيئة الشيعية ونقل طائفته نتيجة التعمّق بفكر ولاية الفقيه من الفكر اللبناني إلى الإيمان بولاية الفقيه سياسياً وليس فقط من الناحية الدينية.
يعتبر قاسم، أستاذ الكيمياء، متأثراً إلى أقصى الحدود بفكر الثورة الإسلامية الإيرانية، ويذهب في أفكاره إلى حدّ التطرّف، وتحضر خطاباته التي تتحدّث عن التربية والمرأة والمطلّقات والمقاهي والمطاعم بشكل دائم، حتى ذهب البعض إلى وصف خطاباته بـ"الداعشية" الشيعية".
وعلى رغم قربه من إيران، إلا أن نعيم قاسم نجح في التقرّب من دمشق بعد معارك "الحزب" مع الجيش السوري، حتى ذهب البعض إلى القول إن نعيم قاسم رجل النظام السوري داخل "حزب الله" ذات التوجّه الإيراني.
كان نعيم قاسم يعمل على تنظيم ومتابعة العمل السياسي والبرلماني، وإذا كان "حزب الله" خارج الحكومات أثناء فترة الإحتلال السوري، إلا أن عام 2005 شهد على أول دخول لـ"الحزب" إلى الحكومة، وحصل على الحصة الشيعية كاملةً مع حركة "أمل" في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة وكان قاسم أهم مهندسي دخول "حزب الله" إلى الحكومة والحكم، ونجح في السيطرة على مقاليد السلطة حتى 27 أيلول الماضي.
بقي قاسم ظلّ نصرالله طوال الفترة الماضية، وعلى رغم ثقافته الإسلامية المتطرّفة وكتاباته ومؤلفاته لم يتحوّل إلى رجل خطابي، فقاسم هو الأمين العام الرابع لـ"حزب الله"، ويأتي في أصعب فترة حيث وجود "الحزب" مهدّد ويخوض حرب وجود، فيما المجتمع الشيعي يعاني من التهجير، فهل يستطيع قاسم أخذ القرار اللبناني الذي ينقذ طائفته والوطن، أو سيستمر برهن قرار "الحزب" لإيران وتستمرّ الحرب بكل تداعياتها؟
لم تحاكِ خطابات قاسم بعد اغتيال نصرالله الوجدان الشيعي. فالرجل يفتقد إلى فن الخطابة، ويفتقد أيضاً إلى عامل القوة والدعم الذي كان يُغدَق على "حزب الله". لذلك ينتظر قاسم المهدّد إسرائيلياً مهام شاقة سواء في طريقةاستكمال الحرب أو صناعة السلم، والأهم هو دور "حزب الله" في الداخل بعد رحيل نصرالله.