بعد الاصطدام الأميركي بالعناد الإسرائيلي الذي ترجمه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في لقائه الأخير مع الموفد الرئاسي الاميركي آموس هوكستين والمبعوث الخاص لشؤون الشرق الأوسط بريت ماكغورك برفضه تطبيق القرار الدولي 1701 من دون تطعيمه بتعديلات تتوافق مع تفسيره، عاد الأمر إلى الميدان الذي بات الحاكم بأمره حتى جلاء نتائج الانتخابات الأميركية وما سيترتب عنها.
والميدان خلال الساعات الـ 24 الأخيرة دموي بامتياز، فالغارات الإسرائيلية تدمر الحجر والبشر في الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب والبقاع الذي نال نصيبه من الغارات في الأمس والتي تركزت في معظمها على قرى قضاء بعلبك وأسفرت عن سقوط أكثر من 41 شخصاً. أما في الجنوب فتواصل القوات الإسرائيلية سياسة الأرض المحروقة، تفجر وتدمر المنازل والمساجد والقبور والبنى التحتية محولة القرى الحدودية حتى عمق 4 كلم إلى منطقة غير قابلة للعيش بهدف تحويلها إلى منطقة عازلة. فيما المسيّرات الاسرائيلية تخيم فوق بيروت وضاحيتها الجنوبية على مدار الساعة لترصد أي تحرك مشبوه. كما أفيد عن سقوط صاروخ قرب المنازل في بلدة عين عنوب - قضاء عاليه للمرة الأولى منذ بدء الحرب، ما تسبب باندلاع حريق من دون وقوع أي أضرار .
وفي العودة إلى الحراك الديبلوماسي الأميركي الذي يسعى إلى التهدئة بين إسرائيل ولبنان وبالتزامن مع تشديد المرشح للرئاسة الاميركية دونالد ترامب على انهاء الحرب برمتها في لبنان، يعود الحراك أدراجه إلى واشنطن خالي الوفاض ليدخل مرحلة الصمت في انتظار نتائج الإنتخابات الرئاسية. فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحاول رفع سقف شروطه بحجة أنه وحده قادر على توفير الضمانات لإسرائيل ويمنع تهديد "حزب الله" للمستوطنات الشمالية ويصر على استمرار تحليق الطيران الحربي والاستطلاعي على مدار الساعة في الأجواء اللبنانية. كما يطالب بحق جيشه في التوغل في عمق جنوب الليطاني لمنع أي تهديد لأمن إسرائيل. وأكثر من ذلك يطالب برقابة مشددة على مطار رفيق الحريري الدولي والمعابر الحدودية بين لبنان وسوريا الشرعية وغير الشرعية بضمانة دولية لمنع "الحزب" من التسلح مجدداً من ايران.
هذه الشروط العالية السقف والتي تعتبر بمثابة رفض قاطع لنتنياهو لخريطة الطريق اللبنانية التي تم التوافق عليها مع الموفد الأميركي آموس هوكستين، دفعت برئيس مجلس النواب نبيه بري إلى نعي المبادرة الأميركية الأخيرة لوقف النار مشيراً إلى "أن الحراك السياسي لحل الأزمة رحّل إلى ما بعد الانتخابات الأميركية" المقررة الثلثاء المقبل.
وإذ رفض بري وضع توقعات لمسار الأزمة في ضوء نتائج الانتخابات الأميركية، أشار إلى "أن هذا الأمر يترك الأمور في لبنان رهناً بتطورات الميدان"، مبدياً تخوفه من "تحويل لبنان إلى غزة ثانية".
وفيما يستغل الجانب الاسرائيلي الأيام الأربعة الأخيرة التي تفصلنا عن الانتخابات الرئاسية الأميركية لتكثيف غاراته على لبنان، حيث أشارت مصادر إلى أن لبنان قد يشهد مزيداً من التدمير في المرحلة المقبلة بعد فشل المفاوضات مع إسرائيل، انشعل المشهد الداخلي اللبناني بالطلب الأميركي من بيروت وقف إطلاق النار من جانب واحد مع إسرائيل وهذا ما نفاه المكتب الاعلامي لرئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، مشيراً إلى أن "موقف الحكومة اللبنانية واضح بشأن السعي إلى وقف إطلاق النار من الجانبين وتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701".
ولاحقاً نفى هوكستين الأنباء المتداولة عن طلب أميركي للبنان بالإعلان عن وقف أحادي لإطلاق النار مع إسرائيل.
وكانت "رويترز" أشارت الى أن مصدرين، سياسي لبناني كبير، ودبلوماسي رفيع المستوى، كشفا للوكالة "أن هوكستين طلب من لبنان هذا الأسبوع إعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد في إطار الجهود الرامية لدفع المفاوضات" وقال المصدران إن "هوكستين نقل المقترح لميقاتي".
وأمام التحديات التي تواجه قوات "اليونيفيل" العاملة في جنوب لبنان، ونظراً إلى المخاطر التي واجهتها عقب الحرب الأخيرة والتوغل الاسرائيلي في المناطق الحدودية، التقى القائد العام للقوة الدولية العاملة في جنوب لبنان الجنرال أرولدو لازارو، على رأس وفد الرئيسين نبيه بري ونجيب ميقاتي وقائد الجيش جوزاف عون وتركز البحث على العدوان الاسرائيلي المتمادي على لبنان والصعوبات والتهديدات التي تواجهها "اليونيفيل" في مهامها.
وفيما أكد قائد "اليونيفيل" ضرورة إيجاد حل سياسي لوقف القتال في لبنان، جدد ميقاتي التمسك بدور "اليونيفيل" وبقائها في الجنوب وبعدم المس بمهامها وقواعد العمل التي انيطت بها والذي تنفذه بالتعاون الوثيق مع الجيش. كما جدد "التزام لبنان الدائم بالقرار الاممي ومندرجاته"، معتبراً أن "التصريحات الإسرائيلية والمؤشرات الدبلوماسية التي تلقاها لبنان تؤكد العناد الإسرائيلي في رفض الحلول المقترحة والإصرار على نهج القتل والتدمير، مما يضع المجتمع الدولي برمته أمام مسؤولياته التاريخية والأخلاقية في وقف هذا العدوان".
بدوره نوّه الرئيس بري وأشاد بتضحيات قوات الطوارئ وصمودها وقال "إسرائيل أهدرت أقله منذ أيلول الفائت أكثر من فرصة محققة لوقف إطلاق النار وتطبيق القرار 1701 وعودة الهدوء والنازحين على جانبي الحدود".
كما أكد "التزام لبنان بتنفيذ القرار 1701 باعتباره الخيار الوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة".
وفي ظل تصاعد المعارك بين "حزب الله" وإسرائيل والتي باتت تشمل معظم معاقل "الحزب" على الأراضي اللبنانية، ارتفعت وتيرة النزوح الداخلي وكذلك حركة العبور إلى سوريا، والتي تقدر بحوالى نصف مليون شخص، 60 في المئة منهم سوريون وفق مصادر الأمن العام اللبناني الذي يؤكد عبور حوالى 200 ألف لبناني إلى الأراضي السورية، في حين أن مصادر عراقية تقدر وصول حوالى 80 ألف لبناني عبر مختلف المنافذ الحدودية ولا سيما المعابر البرية مع سوريا.