بشارة جرجس

الوثيقة التي عجزت طهران عن منعها

5 دقائق للقراءة

"حزب الله" يحرق الإطارات احتجاجاً على اتفاق عجز عن منعه. اقرأوا إطار الاتفاق الثلاثي كما هو: أول اتفاق على أرض لبنانية لم تكتبه طهران.

أمس، يوم الجمعة، وقف مشهدان على مسرحين مختلفين وقالا القصة نفسها بلغتين متعاكستين. في واشنطن، جلس ثلاثة سفراء إلى طاولة في وزارة الخارجية ووقّعوا إطاراً يضع نزع سلاح "حزب الله" ثمناً لمستقبل لبنان. وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، جرّ أنصار الحزب الإطارات المشتعلة إلى طريق المطار القديم احتجاجاً على اتفاق لم يستطيعوا وقفه. وفوق الدخان، ظهر نعيم قاسم على شاشة عملاقة ليعلن النصر.

اقرأوا الوثيقة التي لا تذكر "حزب الله" إلا من خلال فعل واحد: نزع السلاح.

انزعوا الطلاء الدبلوماسي عن النص، يتّضح أن إطار الاتفاق الثلاثي ليس وقفاً لإطلاق النار. خمسة اتفاقات لوقف إطلاق النار سبقت هذا منذ الربيع، كل واحد منها قابل للعكس، متناظر، وميت لحظة ولادته. هذه المرة يواجه "حزب الله" شيئاً لم يواجهه سابقاً: مساراً مشروطاً ومتسلسلاً. نزع السلاح هو البوابة. كل ما يريده لبنان فعلياً، الانسحاب الإسرائيلي، أموال الإعمار، عودة أكثر من مليون نازح، وأول مئة مليون دولار وضعتها واشنطن على الطاولة يوم الجمعة، موجود خلف تلك البوابة. طوال أكثر من أربعين عاماً، قال "حزب الله" لشيعة الجنوب إن السلاح يحميهم. الإطار الجديد يعكس الجملة: السلاح أصبح الشيء الوحيد الذي يُبقي قراهم ركاماً.

هذا الانقلاب هو الحرب كلها. وإيران خسرتها أولاً.

الإشارة الفاضحة كانت في مذكرة التفاهم التي وقّعتها طهران في مسار إسلام آباد: تركت لبنان ورقة في مسار ليس له. عباس عراقجي يصرّ على أن لبنان “داخل” الاتفاق وأن "حزب الله" “طرف” فيه. وثيقة واشنطن ترد عليه بالاسم: إيران ليست موقّعة، "حزب الله" ليس موقّعاً، ونزع سلاح "حزب الله" هو الهدف المعلن. عندما يصبح الراعي مضطراً إلى الادعاء بأن الاتفاق يشمل الساحة، بينما تُستبعد الأداة الفعلية التي تحكم الساحة.

و"حزب الله" خسر الحجة نفسها على مستوى أدنى، في الأرض الوحيدة التي كانت تعنيه: الردع. العقيدة كلها قامت على فرضيتين: السلاح يردع إسرائيل، وخطر الحرب الإقليمية يردع واشنطن. بين آذار وحزيران، وُضعت الفرضيتان على الطاولة. دخل الجيش الإسرائيلي إلى لبنان، قاتل في بنت جبيل، وقطع رأس سلسلة القيادة. والولايات المتحدة ضربت إيران مباشرة. الردعان اختُبرا. ولا واحد منهما صمد. هذا هو ٧ أيار ٢٠٠٨ بالعكس: السلاح الذي كان يعيد تسعير السياسة اللبنانية إلى الداخل أصبح الآن الأصل الذي يُسعَّر للخروج.

وهنا تحديداً تكمن أهمية الإطار، لا لأنه مُرضٍ سياسياً فقط، بل لأنه الأداة الصحيحة. هو لا يحاول نزع سلاح "حزب الله" بمرسوم. لا يستطيع، ومن يتظاهر بالعكس يكرر خطأ الاتفاقات الخمسة السابقة. بدل ذلك، يضخّ رأس مال سياسي وأمني في الدولة اللبنانية كبديل. ثلاثون مليون دولار تمويل مباشر للجيش، تحالف فرنسي-إيطالي، ومجموعة التنسيق العسكرية كعمود فقري للمسار: واشنطن وشركاؤها يبنون احتكار الدولة حول الميليشيا، لا بالتفاوض معها. المنطقتان التجريبيتان هما الآلية: نظّف منطقة، تحقّق منها، دع الجيش يمسكها، دع الإعمار يدخل خلفه، ثم كرّر النموذج. هكذا يتحول نزع السلاح من مواجهة شاملة يستطيع "حزب الله" النجاة منها، إلى مسار منطقة بعد منطقة، يخسره ببطء، في وضح النهار، بينما يرى أهله الرافعات تصل إلى كل مكان خرج منه السلاح.

راقبوا أربعة أمور وبالترتيب. راقبوا المنطقة التجريبية الأولى: إذا دخلها الجيش، أمسكها، وجاء المال خلفه، يكون النموذج قد ثبت، وتبدأ حجة "حزب الله" بالموت قريةً بعد قرية. وإذا علق المسار في “التنسيق”، فالوثيقة تصبح مسرحاً. راقبوا أول قرار تصدره مجموعة التنسيق حول محفّز الانسحاب الإسرائيلي: في اليوم الذي تُعلن فيه منطقة نظيفة من السلاح، تُختبر عبارة “لا أطماع إقليمية” كشرط تنفيذي أو كغطاء. راقبوا المال الذي لم يُسمَّ بعد: حزمة الإعمار، والقناة التي ستمر عبرها. وراقبوا الضاحية الجنوبية، لا الخطابات، بل الصرف. في أول مرة يدفع "حزب الله" لبيئته متأخراً، أو لا يدفع، يكون الأصل قد بدأ يُعاد تسعيره من الداخل.

عبقرية الإطار ليست أنه ينهي "حزب الله". عبقريته أنه ينقل المعركة إلى الأرض الوحيدة التي لا يستطيع "حزب الله" الصمود عليها: المسافة بين السلاح والركام، بين ما وعدت به “المقاومة” الجنوب، وما يُعرض اليوم على الجنوب مقابل التخلي عن السلاح. طهران أمضت أكثر من أربعين عاماً تبني هذا الاعتماد. واشنطن وقّعت الآن الوثيقة التي تسمح للدولة اللبنانية بأن تعرض سعراً أعلى. السلاح كان دائماً جواباً عن سؤال واحد: من يحمي الجنوب؟ الإطار يطرح السؤال الأفضل: من يحرره ويعيد بناءه ويحميه للأجيال المقبلة؟

نعيم قاسم لا يملك جواباً على ذلك. وللمرة الأولى منذ أجيال، هناك من يملك جواباً غيره. يستطيع أن يواصل إعلان النصر ما دامت الكاميرات مضاءة. الوثيقة لا تحتاج إلى موافقته. تحتاج فقط إلى عائلة واحدة تعود إلى قرية لم تُعد “المقاومة” إعمارها. بعد ذلك، تصبح الشعارات مجرد ضجيج فوق صوت الإطارات وهي تنطفئ.