جوزيف حبيب

الفصل الأخير من "منافسة القرن"

ترامب VS هاريس... لمَن الغلبة؟

6 دقائق للقراءة

ينطلق اليوم المنتظر لـ"العرس الأميركي" وسط الكثير من السيناريوات المحتملة والمخاطر المتوقّعة بعد "محطّات تاريخيّة" من حملة انتخابيّة رئاسيّة فريدة من نوعها لعام 2024، بدأت بـ"احتكار" الرئيس جو بايدن مسار ترشيح "حزب الحمار" وإعادة الرئيس السابق دونالد ترامب تأكيد هيمنته على "حزب الفيل"، مروراً بتعثّرات الرئيس الديمقراطي وهفواته المتكرّرة وإدانة سلفه جنائيّاً، وصولاً إلى تلقّي "سيّد البيت الأبيض" صفعة مدوّية خلال مناظرته الكارثية مع منافسه الجمهوري، لتغدو لاحقاً "رصاصة قاتلة" لفحَت أذن ترامب وحوّلته إلى "بطل خارق"، بينما "اغتالت" بايدن سياسيّاً ليرضخ لضغوط حزبه وينسحب مُكرهاً ويُسلّم "الراية الزرقاء" لنائبته السوداء كامالا هاريس.


صعدت هاريس بفرح عظيم على "الحمار الديمقراطي" بدعم من أصوات "جوقة" نخب النافذين في الحزب المتمرّس في "الألاعيب السلطويّة" الذي حرّك ماكينته الدعائية والمالية لإعطاء زخم إعلامي ضخم لتغطية عورات هذه "النقلة" الخاطفة "غير الديمقراطية" لبطاقة ترشيح الحزب، وحقّق نجاحاً باهراً في ذلك. رصّت "الماكينة الزرقاء" صفوف قواعدها من "الوسط" إلى أقصى اليسار، بالتوازي مع حشد ترامب "فيالق" المسيحيين اليمينيين والناقمين من "العهد"، فدخلت الحملة الرئاسية مرحلة مفصليّة جديدة لم تخلُ من محاولة فاشلة ثانية لاغتيال "ساحر المحافظين".


تبادل الغريمان اللدودان "الضربات النوعيّة" القاسية قبل مناظرتهما اليتيمة وبعدها، من دون أن يتمكّن أي منهما من توجيه "ضربة قاضية" لخصمه في حلبة "صراع العروش". تفاوتت أرقام استطلاعات الرأي، خصوصاً في الولايات المتأرجحة السبع، وهي بنسلفانيا وميشيغان وويسكونسن ونورث كارولاينا وجورجيا وأريزونا ونيفادا، باختلاف الزمان والمكان والجهة المُنظّمة للاستطلاع، بيد أن "أرقام الحقل" لا تتوافق دائماً مع "حسابات البيدر"، ولا سيّما أن نظام الانتخاب الرئاسي "غير مباشر"، ما يعني أن أبواب البيت الأبيض ستُشرّع أمام المرشّح الذي يتخطّى عتبة 270 من أصوات كبار الناخبين.


السيناريوات المحتملة

ربّما تبدو بعض السيناريوات أكثر منطقية من أخرى احتمالات تحقّقها متدنية، إلّا أن استطلاعاً لصحيفة "دي موين ريجستر" أظهر تقدّم هاريس على ترامب في ولاية آيوا الجمهوريّة، يؤشّر إلى أنّه حتّى بعض الولايات الحمراء والزرقاء ليست بمنأى عن تغيير لونها، بغضّ النظر عن دقّة هذا الاستطلاع بالذات. تبقى ولايات "الجدار الأزرق"، وهي بنسلفانيا وميشيغان وويسكونسن، بالغة الأهميّة، خصوصاً للرئيس السابق، إذ تمرّ "الطريق نحو البيت الأبيض" بظفره ولو بواحدة منها، طبعاً بالاستناد إلى نتائج انتخابات 2020 في بقيّة الولايات غير الحاسمة.


لكنّ هناك سيناريو حيث يخسر ترامب "الجدار الأزرق" فقط من بين الولايات المتأرجحة ويتعادل المرشّحان في أعداد كبار الناخبين، في حال لم تتمكّن هاريس من حصد أحد كبار الناخبين في ولاية نبراسكا التي تعتمد بالإضافة إلى ولاية ماين النسبيّة، علماً أنّه في كلّ الولايات الأخرى "الفائز يحصل على كلّ شيء". وفي هذه الحال، يعود لمجلس النواب حيث يحصل وفد كلّ ولاية على صوت واحد، انتخاب الرئيس، و"الشيوخ" نائب الرئيس، الأمر الذي قد يصبّ في مصلحة ترامب. وهذا ليس السيناريو الوحيد لإمكانية تعادل المرشّحَين، فإذا انتصر ترامب بولايات "الجدار الأزرق" ونيفادا فقط من الولايات الحاسمة، أو إذا حافظ على نورث كارولاينا من حصّته وكسب معها بنسلفانيا وميشيغان من الولايات السبع، أو إذا فاز بجورجيا وبنسلفانيا وميشيغان فقط من هذه الولايات، نذهب إلى النتيجة نفسها.


والأمر ذاته ينطبق على سيناريو انتصار ترامب في بنسلفانيا وجورجيا إلى جانب نورث كارولاينا، وخسارته لأحد كبار الناخبين في ولاية ماين، في وقت تتعدّد فيه سيناريوات "التعادل" الذي يبقى احتمالاً قائماً وحصل بالفعل عام 1800. تكثر "خرائط انتصار" ترامب أو هاريس في "لعبة" تبدّل ألوان الولايات المتأرجحة، بينها على سبيل المثال لا الحصر، تأمين نائبة الرئيس "الجدار الأزرق" للفوز، فيما على ترامب استعادة الولايتَين الجمهوريّتَين سابقاً، جورجيا وأريزونا، مع احتفاظه بنورث كارولاينا وكسره لـ"الجدار الأزرق" بـ"اختطافه" لولاية واحدة منها للفوز.


لا يحتمل الخصمان خسارة أكبر ثلاث ولايات حاسمة في آن، أي بنسلفانيا ونورث كارولاينا وجورجيا، فمَن "يسلب" الولايات الثلاث ينتصر. عيون المراقبين ستكون شاخصة أيضاً على ولايات تميل عادةً للديمقراطيين أو للجمهوريين، لكنّها ليست "صلبة الولاء" وقد "تخلع رداءها" لتُغيّر لونه هذه المرّة، ما سيُعدّل "قاعدة" حسابات "الخريطة الانتخابية". ومن تلك الولايات، مينيسوتا الديمقراطية التي ترشّح حاكمها تيم والز لمنصب نائب الرئيس على بطاقة هاريس، إضافةً إلى "الولايات الزرقاء" نيوهامبشير وفيرجينيا ونيومكسيكو وكولورادو، وربّما أوريغون وماين. وفي لائحة "الولايات الحمراء" التي قد تُباغت الجمهوريين، تبرز فلوريدا وتكساس وآيوا وأوهايو، مسقط رأس جيه دي فانس، المرشّح لمنصب نائب الرئيس على بطاقة ترامب.


الاقتصاد والهجرة والإجهاض

يُراهن المرشّح الجمهوري بشكل أساسي على "ورقتَي" الاقتصاد والهجرة غير الشرعيّة لحشد الناخبين لمصلحته تحت شعار وضع حدّ للتضخّم الذي أنهك الطبقة الوسطى، ومنع تحوّل البلاد إلى "مخيّم للاجئين" من خلال وقف تدفّق المهاجرين وترحيل الملايين منهم المتواجدين على الأراضي الأميركية وتحصين الحدود الجنوبية، فضلاً عن تعهّده بوضع حدّ للحروب ومنع اندلاع حرب عالميّة ثالثة. في المقابل، تعتمد هاريس التي امتهنت تخويف الأميركيين من "الخطر على الديمقراطيّة" حال فوز ترامب، على دعم النساء والفتيات اللواتي يُناصرنَ قضّية "الحقّ في الإجهاض"، مع دغدغتها لـ"مشاعرهنَّ الأنثويّة" لمساندتها لتُصبح أوّل امرأة تجلس داخل المكتب البيضوي.


على الرغم من تقدّمها في أوساط "الجنس اللطيف"، إلّا أن هاريس تُعاني لدى الرجال اللاتينيين والسود الذين يُصوّتون عادةً للحزب الديمقراطي، مع العلم أن السود يُعتبرون بمثابة "الخزّان الشعبي" لـ"الحزب الأزرق". وهذه المعضلة ستُكلّفها خسارة الانتخابات إن لم تُقنع ما يكفي من هؤلاء الرجال للتصويت لمصلحتها، في حين "يحتكر" ترامب إلى حدّ كبير أصوات الرجال البيض. تتداخل المعطيات والعوامل الإتنيّة والمذهبيّة والجندريّة والمناطقيّة... وتتزاحم وتتفاعل لتُنتج محصّلة "موازين قواها" في الفصل الأخير من "مواجهة القرن"، الرئيس الـ47 للولايات المتحدة.


لمَن ستكون الغلبة؟ إذا كان الاقتصاد هو المحفّز الرئيسي لتصويت الناخبين، ترتفع حظوظ ترامب بالعودة إلى البيت الأبيض. أمّا إذا تشكّل "مدّ" نسائي - "يساري ليبرالي" حاصر "برج" MAGA المحافظ، يكون النصر حليف هاريس. فهل سنشهد تولية أكبر رئيس أم أوّل رئيسة في تاريخ أميركا؟ ومن سيُسيطر على مجلسَي الكونغرس، النواب والشيوخ؟ وهل يمرّ الاستحقاق الانتخابي من دون أعمال عنف واضطرابات خطرة؟ وفي حال دخول بلاد "العم سام" في "أزمة عميقة"، كيف سينعكس ذلك على الساحات الجيوسياسية الساخنة منها والباردة حول العالم؟