مع اقتراب فصل الشتاء، تتزايد المخاوف بشأن تفشي الأمراض المعدية في مراكز إيواء النازحين في لبنان؛ فالاكتظاظ وسوء الظروف الصحية والمعيشية يخلقان بيئة خصبة لانتشار الأمراض، مما يشكل تهديداً حقيقياً على صحة النازحين والمجتمعات المضيفة على حد سواء. فما الذي ينتظرنا لهذا الموسم؟
تجاوز عدد النازحين الهاربين من نار الحرب المليون و200 ألف، متكدسين في 1,023 مركز إيواء، 822 منها وصلت لحدود طاقتها الاستيعابية (وفق وحدة إدارة مخاطر الكوارث). هذه الأرقام تدق ناقوس الخطر، محذرة من كارثة إنسانية وشيكة وتهديد صحي جدّي. ويحذر الاستاذ المشارك في قسم الأمراض الصدرية والعناية الفائقة في "الجامعة الأميركية في بيروت" الدكتور جورج جوفلكيان من "الحالات الأكثر شيوعاً في الظروف الحالية المتمثلة بالأمراض الفيروسية- التنفسية المعدية، خصوصاً تلك التي تنتقل عن طريق الهواء، وتشمل الإنفلونزا والرشح والـ"كورونا". كذلك، إنّ غياب النظافة العامة ونقص المياه النظيفة أو غير الجارية، يزيدان من خطر الإصابة بأمراض أخرى مثل التهاب الكبد الوبائي "أ" والكوليرا. كما أن محدودية الحصول على الماء والصابون، تساهم في انتشار الأمراض الجلدية مثل القمل والجرب. ناهيك عن التدخين داخل المراكز وكل ما يشكله من خطر على صحة الجميع، ولا سيما أولئك الذين يعانون من أمراض تنفسية مزمنة مثل الربو والحساسية والانسداد الرئوي المزمن. فدخان السجائر يزيد من تهيج الشعب الهوائية ويؤدي إلى تفاقم العوارض، ويزيد من خطر الإصابة بالعدوى".

إذاً، تنتشر هذه الأمراض بسرعة في الأماكن المكتظة حيث يكون هناك قُرب بين الأفراد الى جانب قلة التهوية ونقص في التدفئة؛ إلّا أنّ المعاناة لا تتوقف عند هذا الحد فحسب، بل تشمل اضطرابات نفسية ومشاكل في النوم، يقول د. جوفلكيان، مضيفاً: "تُفاقم ظروف الإيواء مشاكل النوم. فالتوتر والقلق الناجمان عن النزوح وفقدان المنزل، وصعوبة التكيف مع بيئة النوم الجديدة، تتسبب باضطرابات مختلفة في النوم. فيعيش النازحون إثرها، في حلقة مفرغة من الأرق والتعب المستمر ما يضعف قدرتهم على التعامل مع الصدمات التي مروا بها، ما يؤثر أيضاً على صحتهم وحياتهم اليومية".
عوامل الخطورة
يختلف تأثير الأمراض ومضاعفاتها من شخص الى آخر بحسب الفئة العمرية، فحديثو الولادة والصغار وكبار السن هم الأكثر عرضة للمضاعفات الصحية، بسبب ضعف جهاز مناعتهم. كذلك، أصحاب الأمراض المزمنة كالسكري وأمراض القلب... فيكونون أكثر استعداداً للإصابة بالأمراض المعدية. وتعتبر النساء الحوامل فئة حساسة للغاية، حيث قد يشكل العلاج الدوائي خطراً على الجنين، ما يحد من الخيارات الطبية المتاحة لهن. ويشير د. جوفلكيان إلى أهمية طرق الوقاية، التي ترتكز على اتّباع إجراءات بسيطة ولكنها فعالة، كالتأكد من تهوية المكان بشكل جيد، الحفاظ على مسافة آمنة بين الأفراد، غسل الأيدي بالماء والصابون بشكل متكرر والاستحمام بانتظام".
صحة المجتمع على المحك
من يقرأ هذه السطور خارج مراكز الإيواء ويعتقد أنه في مأمن من الإصابة، فهو واهم. فالأمراض لا تعرف حدوداً، ما يشكل تهديداً حقيقياً على صحة المجتمع بأكمله، يقول د. جوفلكيان، مردفاً: "يمكن أن تنتشر الأمراض التنفسية والجلدية، مثل القمل والجرب، بسهولة خارج المراكز بسبب الاختلاط الوثيق بين النازحين والسكان. لذلك، يجب اتّخاذ إجراءات وقائية فعالة للحد من الانتشار وحماية صحة الجميع".
أمّا على صعيد الوطن ككل، فيرى أنّ النظام الصحي في لبنان أثبت قدرة على التكيف والمرونة في مواجهة الأزمات، بفضل توزيع الموارد المتاحة بشكل مدروس، بالرغم من الإمكانات المحدودة. ومع ذلك، فإن تعزيز استعداد لبنان لمواجهة الأخطار الصحية يتطلب تضافر جهود كافة الوزارات المعنية، إلى جانب الجهود المبذولة من قبل وزارة الصحة... فكيف نضمن استدامة تقديم المساعدات للاجئين على المدى الطويل، مع استمرار الأزمة وتزايد أعداد النازحين؟ وما الخطة اذا استهدفت إسرائيل المنشآت الصحية، مثلما حدث في غزة؟ خاتماً: "من هنا أهمية تعزيز التعاون بين جميع الأطراف الفاعلة، بما في ذلك الحكومة والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني، لتقديم المساعدات الإنسانية اللازمة والتخفيف من وطأة الأزمة".
من مراكز الإيواء إلى المستشفيات يتساءل البعض، عن البروتوكول المتّبع في المستشفيات التي يزورها المرضى من مراكز الإيواء، خوفاً من نقل العدوى إلى داخل المستشفى. يقول جوفلكيان: "تعتمد طريقة التعامل مع كل المرضى على حالتهم الصحية. فإذا كان المرض معدٍ ويتطلب العزل، فتتّخذ الإجراءات اللازمة لمنع انتشار العدوى. أما إذا كانت الحالة مستقرة، فتخضع للإجراءات الروتينية". |