منذ 23 أيلول 2024، يواجه لبنان سلسلة من التحدّيات هزّت بنيته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وطالت المشهد الثقافي الذي شكّل جزءاً أساسيّاً من هويّة البلد على مدى عقود. فمع إرجاء العديد من المعارض الثقافية، فقد وطن الحرف مساحاتٍ حيوية نابضة بالإبداع والتنوّع الفكري.
رضخ "معرض بيروت العربي الدولي للكتاب"، أحد أبرز المواعيد الثقافية السنويّة في العاصمة اللبنانيّة، إلى صوت الحرب. فهو لن يفتح أبوابه في 28 تشرين الثاني كما كان مقرّراً لدورته الـ 66، مخلّفاً فراغاً ثقافياً عميقاً.
ولإلقاء الضوء على حجم الخسائر المعنوية والمادية الناجمة عن غياب هذا الحدث السنوي، توجّهت "نداء الوطن" إلى رئيسة "النادي الثقافي العربي" المنظّم للمعرض، سلوى السنيورة بعاصيري، التي فضّلت، في البداية، الغوص في أعماق المشكلة الوطنية التي يمرّ بها لبنان، معبّرة عن إيمانها الراسخ بدور الثقافة في تغيير ملامح واقعنا المرير.
وبكلمات تعتصرها المرارة قالت "من المؤلم جداً أن نرى لبنان، الذي لطالما كان منارة للمعرفة والثقافة وموئلاً للتنوّع والحوار وحريّة التعبير، يشهد حرباً مدمّرة لا تنال من بنيانه فحسب، بل تقتلع أبناءه من أرضهم وقراهم وتزعزع استقرارهم وأمنهم وتعطّل دورة حياتهم بكافة أبعادها الاقتصادية والإجتماعية والمعيشية".
حزينة لخسائر هذا الجيل
وإذ تضع جيل الشباب في صلب أولوياتها، عبّرت بعاصيري عن حزنها العميق لما يعيشه هذا الجيل من خسائر تربوية وثقافية في خضمّ الأزمات المستمرة، فيما كنّا، كلبنانيين، نفتخر، على مرّ العقود، بتفوّق التعليم في وطننا.
لكنّ اليأس لا يدخل قلب السيدة المعطاء ثقافياً ووطنياً، والتي أكّدت أن بلداً "يتجذّر فيه العلم والثقافة قادرٌ على مواجهة أزماته والتغلب عليها باستخدام أدوات العقل ونبذ لغة السلاح مهما كان بارعاً فيها".
وناشدت اللبنانيّين أينما كانوا، داخل لبنان أو في بلاد الانتشار، "بالعودة إلى مبادئهم ومخاطبة العالم باللغة التي نتقنها كلبنانيين، أي لغة الفكر والإنسانية كي نشرح قضايانا المحقّة ونتمكن من الدفاع عنها بقوّة المنطق لا بقوّة السلاح، وأن نتخاطب في الداخل بلغة المواطنة الحقّة كي نتوصل إلى حلول فعّالة وسريعة تساهم في إنقاذ البلد".
وتشدّد بعاصيري على ضرورة إنقاذ الإنسان باعتبار أنه من يصنع الأوطان، متسائلةً "ما فائدة بلد بحدود جغرافية لكن بغياب شعب حيّ يستطيع النهوض به؟".
دَوْر الثقافة في التغيير
من جهة أخرى، لم تنسَ الإشارة إلى أهميّة الدّور الحيوي الذي ينبغي أن تلعبه الجهات الفكرية والثقافية التي تنتمي إليها في إحداث التغيير المنشود حيث قالت إنّ "المطلوب أن نتداعى لرفع الصوت قائلين كفى!، خصوصاً وأنّ تراكم الأزمات أضعف المناعة التي كنّا نتمتّع بها في السابق وباتت عملية إنهاض البلد وإعادة بنائه أكثر صعوبة".
وبعد رسم خريطة طريق وطنية ووجدانية، انتقلت بعاصيري للحديث عن المعرض والجهود الاستثنائية التي بُذلت هذه السنة لإطلاقه بحلّة مختلفة وعن تداعيات تأجيله، فكشفت أنّ المنظّمين كانوا يأملون في الدورة 66 أن يكون "معرض بيروت العربي الدولي للكتاب نقطة انطلاق جديدة، نحقّق فيها نقلة نوعية في الشكل والمضمون".
وأوضحت أيضاً أنهم، كقيّمين على المعرض، خطّطوا هذا العام لتوسيع مساحته، ونسّقوا مع متخصّصين لاستخدام تقنيات مبتكرة تتماشى مع تطورات العصر، كما استعانوا بفريق هندسة داخلية لجعل المعرض أكثر جذباً للزوار ودُور النشر. ولإكمال الصورة، عمدوا إلى اتخاذ خطوات متقدمة لضمان تغطية إعلامية متميزة ومتطورة.
وعد بالعودة
لكن رغم كلّ الظروف، تتمسك بعاصيري بالأمل، وتؤمن أنّ الثقافة هي أحد الأعمدة الأساسية في لبنان، لذلك وعدت اللبنانيين أنّ المعرض سيفتح أبوابه ما إن تنتهي الحرب ولن ينتظروا سنةً كاملة، لإيمانها العميق أنّ "من خلال الأنشطة الثقافية نساهم في استعادة الحياة الطبيعية تدريجياً علماً أنّ عملية إعادة بناء لبنان تتطلب سنوات من العمل الدؤوب".
الخسارة معنويّة وماديّة الخاسر الأكبر من غياب "معرض بيروت العربي الدولي للكتاب" هو المواطن اللبناني والعربي، بحسب السيدة سلوى السنيورة بعاصيري التي لم تُغفل الإشارة إلى أنّ تداعيات تأجيل المعرض لا تقتصر على الخسائر المعنوية فحسب، بل تشمل أيضاً خسائر مادية كبيرة لا سيّما في قطاعات الطباعة والنشر والتصميم، حيث لفتت إلى أنّ "التوقّف عن ممارسة الأنشطة الثقافية يعمّق الأزمة ويؤثّر على استدامة هذه القطاعات، وعلى قدرة لبنان في الحفاظ على موقعه الثقافي الرائد"، مضيفةً أنّ المعرض بما يمثّله من حدث ثقافي واقتصادي، كان أيضاً محرّكاً للعجلة الاقتصادية في مجالات عدّة ويعطي دفعاً لقطاعات أخرى. |