قد لا يكون المزاج العام للّبنانيين هذه الأيام مؤاتياً لإحياء المناسبات وحضور الاحتفالات. لكن أن تبادر جمعية ومعهد "فيلوكاليا" بإدارة الراهبة مارانا سعد، على الرغم من الظروف التي يمرّ بها لبنان، إلى إحياء عاشرة غياب شاعر لبنان سعيد عقل (1912-2014)، لهي خطوة محمودة ينبغي التوقف عندها. أولاً، لجرأة الأخت مارانا ومعاونيها في كسر الجمود الفني والثقافي الذي أصاب البلد منذ شهور. وثانياً، لأنّ الذكرى العاشرة لغياب عقل، أحد المبشّرين والداعين والمساهمين في صنع لبنان الفن والجمال والكلمة والثقافة، لا ينبغي أن تمرّ بصمت، كما ستمرّ - على الأرجح - الذكرى العاشرة أيضاً لغياب وجه آخر من صنّاع زمن لبنان الجميل، الشحرورة صباح (1927-2014) التي انطفأت في 26 تشرين الثاني قبل يومين من رحيل سعيد عقل.
واحتفالية "لبنان حلم سعيد عقل" كما أسماها معدّو هذا اللقاء الثقافي، تأخذني إلى التأمل في ما بعد رحيل المشاهير، الكبار منهم والعاديون... فكيف السبيل لأن تبقى أعمال هؤلاء حاضرة في ذاكرة الأجيال المقبلة؟ ومن الموكل بجمع الإرث المكتوب أو المسموع أو المرئي لهؤلاء؟ والجمع هنا لا يعني توضيبه في علب و "كراتين" يأكلها الغبار و"قمل الورق" في أقبية منازل الورثة من أبناء وأقارب. جمع ما تركه المبدع يعني تبويبه وتنسيقه ورقمنته، ثم تسهيل عرضه عبر الإعلام أو وسائط البث الحديثة وإتاحته أمام كل طالب علم وبحث واطّلاع في مقرّ معلوم ومجهّز لاستقبال الراغبين.
وإذا كان لبنان الرسمي بوزاراته ومؤسساته المعنيّة، حتى في عزّ سنوات ألقه، لم يحسن التعامل كما تفعل الدول المتحضّرة مع الإرث المتروك من أهل الفن والثقافة، فهو بالتأكيد لن يقوم بذلك الآن في عزّ سنواته العجاف.
والأسوأ، أنّ معظم نجوم لبنان الكبار في الفن والثقافة وحتى السياسة، لم يحظوا بورثة يستحقّون ما ورثوه من أعمال أنجزها أباؤهم أو أمهاتهم أو أقاربهم. فتراهم "يتخانقون" بين بعضهم على تركة المرحوم/ة، وتكون نتيجة الصراع ضياع الأرشيف، أو في أحسن الحالات الإقفال عليه وإهماله.
محظوظاً كان سعيد عقل في حياته، بالسيدة ماري-روز أميدي، وفي مماته بكوكبة أصدقاء، لا يزالون بعد عشر سنوات من رحيله حافظين ذكراه ومستعدين لإحيائها مهما تغيّر لبنان الذي حلم به سعيد عقل... و"عقبال العايزين" من مبدعينا الكبار مثل أولئك الأوفياء!
