أنطونيو رزق

سباق بين المنافسة والمواجهة في "الولاية الثانية"

الخلافات الأميركيّة - الصينيّة تتربّص بترامب

5 دقائق للقراءة
ركّز ترامب في ولايته الأولى على الخلل في الميزان التجاري بين واشنطن وبكين (رويترز)

بعد فوز الرئيس المُنتخب دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة، بدأت تتبدّى ملامح السياسات التي سينتهجها في ولايته الثانية تجاه الغريم الاستراتيجي الأوّل لواشنطن، أي بكين، إثر سلسلة تعيينات لافتة على مستوى السياسة الخارجيّة أجراها ترامب أخيراً، شملت صقوراً متشدّدين حيال المنافسة مع الصين. يبقى أن المعضلات التي ستواجه العلاقة بين القوتين العظميين على الساحة الدولية خلال الولاية الجديدة لترامب، متعدّدة ومتشعّبة، من تايوان إلى تهريب "الفينتانيل" عبر الحدود الجنوبية للولايات المتحدة، وقد يُشكّل أيّ منها سبباً كافياً لجرّ المعمورة إلى ما لا تُحمد عقباه.


الحرب التجارية


ركّز ترامب في ولايته الأولى على الخلل في الميزان التجاري بين واشنطن وبكين لمصلحة الأخيرة، فباشر بمحاولة تصحيح هذا الخلل عبر رفع الرسوم الجمركيّة على البضائع القادمة من الصين، ما أثار حفيظة بكين التي تحتاج للولوج إلى السوق الأميركية. وفي السنوات الأربع الأخيرة، حافظ الرئيس الحالي جو بايدن على سياسات ترامب الجمركيّة وعزّزها، كما منع تصدير منتجات تكنولوجيّة أميركيّة عالية الجودة إلى الصين، مثل أكثر الرقائق الإلكترونية تطوّراً. ووعد ترامب خلال حملته الانتخابيّة هذا العام بأنه سيفرض زيادة تتخطّى الـ60 في المئة على الرسوم الجمركيّة الخاصة بكلّ البضائع القادمة من الصين، ما يقرع طبول "حرب تجارية".


تايوان المهدّدة


طلب الرئيس الصيني شي جينبينغ في شباط العام الماضي من جيشه أن يكون مستعدّاً لاجتياح تايوان بحلول عام 2027، كما تكثّفت بشكل ملحوظ المناورات الصينية حول الجزيرة في العامين الماضيين بوتيرة ونوعية غير مسبوقتين. صحيح أنّه لا وجود لمعاهدة دفاع رسميّة بين واشنطن وتايبيه، إلّا أن الإدارات الأميركيّة المتعاقبة أكّدت بأشكال مختلفة أن أميركا لن تسمح للصين بضمّ الجزيرة إليها بالقوة. انطلاقاً من ذلك، سيسعى ترامب إلى تعزيز الردع الأميركي في المحيط الهادئ وقد يُقرّر تكثيف الدعم العسكري لتايوان كما فعل في ولايته الأولى، لكنّه شدّد سابقاً على وجوب دفع تايوان ثمن الأسلحة التي تتلقّاها.


تأتي سياسة ضمان الدفاع عن تايوان كجزء من استراتيجية واشنطن في شرق آسيا التي تهدف بصورة أساسيّة إلى منع الهيمنة الصينيّة على هذه المنطقة البالغة الأهميّة، لذا لن يكتفي ترامب باستمرار دعم تايوان فحسب، بل سيسعى أيضاً إلى توطيد علاقات بلاده مع حلفائها الآسيويّين، خصوصاً اليابان وكوريا الجنوبيّة.


وسيحاول ترامب تقوية قدرات بلاده الصناعيّة، خصوصاً في مجال صناعة السفن الحربيّة وأنظمة الدفاع الجوّي، إذ تمتلك الصين اليوم أكبر أسطول سفن حربيّة في العالم، كما استطاعت تطوير صواريخ دقيقة بعيدة المدى يُمكن أن تتسبّب في أضرار جسيمة للمصالح الأميركيّة في المنطقة حال نشوب حرب، خصوصاً أن تلك الصواريخ قد تستطيع الوصول إلى جزيرة غوام الأميركية في المحيط الهادئ، حيث تتواجد قواعد أميركيّة عسكريّة أساسيّة.


الفيليبين الصامدة


مع تعاظم قوة الصين في آسيا، بدأت بكين تكشّر عن أنيابها في بحر الصين الجنوبي، حيث عمدت إلى رسم حدود بحرية لها تتعارض مع حدود عدة دول، أبرزها الفيليبين، ما أدّى إلى حصول عدّة اشتباكات مباشرة وخطرة بين خفر السواحل الفيليبينيين والصينيين. في هذا الصدد، سيُحاول ترامب زيادة دعم بلاده للفيليبين واستكمال خطة بايدن الآيلة إلى إنشاء تحالف جدّي بين الدول الصديقة لواشنطن في منطقة أقصى شرق آسيا، بالإضافة إلى أستراليا.


علاقات الصين بـ "محور الشرّ"


مع بداية الغزو الروسي لأوكرانيا، تعمّقت العلاقات الصينيّة - الروسيّة بشكل كبير على كافة الأصعدة، إذ فضلاً عن التبادل التجاري الذي ازداد كثيراً بين البلدَين، تصدّر الصين لروسيا بضائع ذات استخدام مزدوج مدني - عسكري، ما يسمح لموسكو بتعويض ما خسرته من جرّاء العقوبات الغربية عليها ويمكّنها من تمويل آلتها الحربية. كما تتبادل الدولتان خبرات في مجالات عديدة، خصوصاً في إطار الصناعة العسكرية. إذا استطاع ترامب وضع حدّ للحرب بين كييف وموسكو، فسيُساهم ذلك في تخفيف تعويل موسكو على بكين.


أمّا كوريا الشمالية، فهي تتكل بشكل هائل على الصين لإطعام شعبها الجائع بسبب فشل سياسات نظام كيم جونغ أون ونهجه العدائي، لا سيما تطويره صواريخ بعيدة المدى باستطاعتها حمل رؤوس نووية، تهدّد الساحل الغربي لأميركا. وعلى الرغم من أن بيونغ يانغ عمّقت علاقاتها بموسكو في الآونة الأخيرة، تبقى بكين المؤثر الأكبر في توجّهات كيم، لذا سيضغط ترامب على الصين لتكبح جماح كوريا الشمالية.


وفي ما يتعلّق بإيران، فإنّ حوالى 90 في المئة من الصادرات النفطيّة الإيرانيّة وجهتها الصين. وبما أن ترامب توعّد بخنق إيران اقتصاديّاً وضرب قدراتها على تمويل أذرعها في الشرق الأوسط، فمِن المرجّح أن يسعى جاهداً إلى فرض عقوبات على الإيرانيين والشركات الصينيّة التي تستورد النفط الإيراني.


"الفينتانيل"


يؤدّي مخدّر "الفينتانيل" دوراً فتاكاً في المجتمع الأميركي، حيث يموت كلّ عام نحو مئة ألف أميركي من جرّاء جرعة زائدة من "الفينتانيل" الذي تصدّر المواد الأولية لِصُنعه من الصين إلى دول في أميركا الجنوبيّة ومن هناك يجري تهريبها إلى الولايات المتحدة. تطرّق ترامب مراراً إلى هذا الموضوع أثناء لقاءاته مع شي خلال ولايته الأولى، لكنه توعّد بأن يكون أكثر حزماً حيال هذه القضية في ولايته الثانية.


في الخلاصة، تنهك العلاقة بين أقوى بلدَين في العالم أثقالُ ملفات جيوسياسية حساسة، يتخوّف مراقبون من أن تُحوّل المنافسة بينهما إلى صدام كارثي قد يتدهور إلى حرب عالميّة ثالثة أو حرب نووية. ولكن، يُمكن أن تشكّل ولاية ترامب المقبلة فرصة حقيقيّة لمعالجة الكثير من النزاعات العالقة بين الدولتين وإرساء قواعد واضحة للمنافسة المحتدمة التي قد تستمرّ طوال القرن الحالي.