وضع دونالد ترامب معيارَين أساسيَّين لتشكيل إدارته المقبلة، وهما "الحزم" و"الولاء"، إذ يُريد الرئيس المُنتخب شخصيّات رصينة قادرة على شق مسار سريع لتحقيق وعوده الانتخابية لحظة تسلّم مقاليد السلطة، وموالية له بشكل مُطلق. وما زال ترامب منكبّ على استدعاء "لاعبين سياسيين" للالتحاق بـ "فريق الصقور" الذي سيعمل معه على تطبيق برنامج "ماغا" وقيادة الولايات المتحدة وإبعاد مشكلات العالم عنها قدر الإمكان.
نوعية الشخصيات المُختارة لتولّي مراكز حسّاسة، وعلى رأسهم "ضابطة إيقاع" حملة ترامب وكبيرة موظّفي البيت الأبيض المستقبليّة، "المرأة الحديديّة" سوزي وايلز، تؤكد أن الولاية الثانية للزعيم المحافظ "المُتحرّر" من قاعات المحاكم والعائد إلى المكتب البيضوي، ستنتهج مقاربة صارمة داخليّاً وخارجيّاً، وستعتمد مبدأ "السلام من خلال القوّة" الذي قد يترتّب عنه "صفقات تاريخيّة" لم يكن ليتصوّرها أحد.
يضع ترامب نصب عينيه ملفي الاقتصاد والهجرة غير الشرعية اللذين كانا "قوّة الدفع" الرئيسية لتتويجه قائداً لبلاد "العم سام" بالأكثرية الشعبية التي فوّضت "حزب الفيل" تفويضاً "كامل الدسم" وسلّمته مفاتيح مجلسَي الكونغرس، علماً أن للمحافظين غالبية في المحكمة العليا، الأمر الذي سيجعل إدارة ترامب "قيد التركيب" ذات "صلاحيات نوويّة".
سيعمل ترامب من اليوم الأوّل لعهده المنتظر، على اتخاذ خطوات وإجراءات ضرورية لخفض التضخّم، والمباشرة بتأدية خطة جريئة تتضمّن خفضاً للضرائب وللإنفاق الحكومي. وهنا سيبرز "الدور المُستحدث" الذي سيؤديه رجلا الأعمال إيلون ماسك وفيفيك راماسوامي، ومدى قدرتهما على الحدّ من الهدر وترشيد النفقات وتعزيز الكفاءة الحكومية.
أمّا في ما يتّصل بالهجرة، فسيعتمد ترامب سياسة أكثر تشدّداً من السابق في سعيه إلى تنفيذ التزامه بإطلاق أكبر عملية ترحيل للمهاجرين غير الشرعيين في تاريخ أميركا وتحصين حدودها الجنوبية ووقف تدفّق اللاجئين والمخدّرات عبرها. وستسهر وزارات وإدارات ووكالات وأجهزة على ترجمة "الأوامر التنفيذية" المتعلّقة بالحدود والهجرة والأمن الداخلي على أرض الواقع، برئاسة شخصيات يمينيّة عملانيّة، أمثال كريستي نويم وستيفن ميلر و"قيصر الحدود" توم هومان، الذي استبق فوز ترامب بتوجيه رسالة واضحة لملايين المُقيمين بشكل غير قانوني، ناصحاً إيّاهم بالبدء بحزم حقائبهم.
الغاية من هذا "النهج الحازم" هو إعادة فرض الأمن على الحدود وطيّ صفحة زحف "قوافل المهاجرين" في اتجاه البلاد، وتنظيم عملية اللجوء من خلال الوسائل القانونية. مشاهد تلك القوافل التي تدخل الأراضي الأميركية عنوة، أثارت حفيظة شريحة واسعة من المجتمع، ترى فيها "احتلالاً ديموغرافيّاً" و"تهديداً وجوديّاً"، وتنظر بعين الريبة إلى قسم كبير من هؤلاء المهاجرين "الكارهين لأميركا"، وتعتبر أنّهم لم يتخلّوا عن "عقلية بالية" حوّلت واقعهم إلى جحيم لا يُطاق ودفعتهم إلى مغادرة بلدانهم المنكوبة، فيأتون بها إلى "أرض الأحرار وموطن الشجعان"، ما يدق ناقوس خطر تحويل الولايات المتحدة إلى "دولة فاشلة" مستقبلاً.
وتؤكد هذه الشريحة أن "السلام المجتمعي" يمرّ بالضرورة من خلال ضبط الحدود وعدم الإخلال بالتوازنات "السوسيوثقافية" الدقيقة، وفرض القانون والنظام في الأحياء والشوارع، بالتوازي مع العمل التنفيذي والتشريعي المسهّل لحياة المواطنين والضامن لحقوقهم وحرّياتهم وأمنهم ورفاههم، بعيداً من الأجندات اليسارية الراديكالية المعادية للحقيقة ومعطيات الحياة الصارخة. هذا "المزاج الشعبي" أدركه ترامب و"مهندسو" حملاته، واستثمروا فيه، وخاضوا من خلاله غمار المعترك السياسي و"الحرب الثقافية" ونجحوا في إيصال الرئيس السابق إلى البيت الأبيض مرّتين.
وبالنسبة إلى "السلام العالمي" الذي يطمح ترامب إلى إحلاله عبر إخماد الحروب في الشرق الأوسط وأوكرانيا، فإنّ هذه المهمّة صعبة وتعيقها "تحدّيات جيوسياسية" و"معضلات أمنية" لا يستطيع حتّى قائد "العالم الحرّ" تخطيها بسهولة، لكنّها ليست مستحيلة، في وقت يُجمع فيه محلّلون أن القوّة هي الحكم الأخير في هذا العالم. ومن هذا المنطلق، يُريد ترامب تقوية الجيش الأميركي أكثر من أي وقت مضى وتزخيم "هيبة" الولايات المتحدة على المسرح الدولي، وتالياً فرض "السلام من خلال القوّة".
اختار الرئيس المُنتخب فريق عمل مختصّاً بالسياسات الخارجية والدفاع والاستخبارات، متنوّعاً من حيث الخبرات والخلفيات، من ماركو روبيو وبيت هيغسيث ومايكل والتز وجون راتكليف، وصولاً إلى تولسي غابرد وإليز ستيفانيك، إلّا أنّ خبراء الأمن القومي يتخوّفون من نقص في الخبرة لدى بعض أعضاء فريق ترامب، ومن طريقة تفكير البعض الآخر التي قد تتسبّب باتخاذ قرارات تكتية أو استراتيجية غير محسوبة بشكل كافٍ.
حرصت القيادة الأوكرانية أخيراً على التأكيد أن "السلام من خلال القوّة" هو مفتاح الحلّ للحرب مع روسيا، فيما تتوجّس كييف من تسوية تفرض عليها تقديم تنازلات جسيمة. لا شكّ أن ترامب سيضع كلّ ثقله لإنهاء الحروب المشتعلة، وسيستخدم كلّ ما يتوفّر في "جعبته" من "أدوات ضغط" لتحقيق هذه الغاية، بيد أن التعقيدات المحيطة بهذه القضايا الشائكة والتغييرات التي تطرأ على النظام الدولي، قد تفرمل جهوده أو بعضاً منها، بينما يبقى احتمال تحدّي "القوّة الأميركية" أو حتّى اختبارها في "ساحات خامدة" حاليّاً، وارد، ما يُهدّد برفع "فئة" نزال أو أكثر إلى حرب طاحنة من "الوزن الثقيل"!