لدى روسيا حلمٌ راود القياصرة الروس والحكّام السوفيات، ولطالما شكل تاريخيّاً عقدة جيوستراتيجية لطموحات هؤلاء. حلم الوصول إلى المياه الدافئة، أو بمعنى آخر، موطئ قدم طويل الأمد على سواحل المتوسط.
فمِن البوابة السورية حصلت موسكو على فرصة الوجود الدائم في المتوسط عندما دخلت في الحرب السورية في أواخر أيلول 2015 . لكنها حققت قفزة سريعة على طريق تحقيق هذا الحلم يوم وقّعت رسميّاً في 30 نيسان 2019 اتفاقية استئجار ميناء طرطوس لمدة 49 سنة. ميناءٌ استراتيجي لبناء قاعدتها البحرية المتكاملة التي تطمح عبرها إلى السيطرة على النصف الشرقي من المتوسط، وبالتالي بناء قوة ردع عسكرية منافسة للهيمنة العسكرية للولايات المتحدة وقوات حلف "الناتو" في البحر المتوسط.
ومع الحرب الإسرائيلية على غزة ولبنان، فُتحت خريطة النفوذ في الشرق الأوسط الجديد على طاولة الكبار، وعاد الحلم الروسي إلى الواجهة. وتحديداً بعد تسريب الإعلام الإسرائيلي في الآونة الأخيرة، مسوّدة اتفاق محدّد البنود والشروط لوقف إطلاق النار. أحد هذه البنود هو طلب ضمانة روسية تقضي بعدم استخدام الأراضي السورية لنقل السلاح من إيران إلى لبنان. وهنا أسئلة تُطرح: أليس طلب الضمانة الروسية تشريعٌ إسرائيلي للوجود الروسي في الشرق الأوسط؟ وهل نسّق الإسرائيلي مع الأميركي في هذا الخصوص؟
الخبير العسكري العميد الركن فادي داوود يؤكد أنه لا يُمكن لإسرائيل الحديث عن هكذا طرح من دون تنسيق مسبق مع واشنطن وموافقتها، على الرغم من العلاقة التي تربط تل أبيب بموسكو. والحديث عن دور أكبر لروسيا في الشرق الأوسط لن يجعلها قطباً ثنائيّاً يوازي الولايات المتحدة كما تطمح هي.
ويرى داوود أن عقل الرئيس المُنتخب دونالد ترامب الاقتصادي يميل إلى توزيع الأدوار وقبض الأثمان، وبالتالي قد يقبل بإعطاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أوكرانيا والقاعدة في طرطوس، ولكن ليس من دون مقابل. فالولايات المتحدة ترى في الصين تهديداً أساسيّاً لها أكثر من روسيا، وبالتالي هي تسعى إلى ضمّ حلفاء لها بدءاً بالهند وربّما وصولاً إلى روسيا!
ولا شك أن بوتين يسعى إلى لعب دور أكبر في خريطة السيطرة الجديدة، وبالتالي ستكون العين على إدارة ترامب لملفات الشرق الأوسط وإيران وأوكرانيا و"الناتو"، وهي ستوضح معالم العلاقة مع بوتين.
في المحصّلة، الحلم الروسي بالمياه الدافئة قد يتحقق بضوء أخضر أميركي من دون سواه، بحسب داوود. وقد تقبل واشنطن ببناء روسيا لقاعدتها على المتوسّط، والتي لن تنافس القوة العسكرية الأميركية، كما يُمكن لواشنطن إعطاء بوتين مكاسب في أوكرانيا. وبالتالي، هل تتخلّى روسيا عن إيران مقابل أوكرانيا وقاعدة على المتوسط؟