من المسلّم به أن الدستور هو القانون الأعلى الذي يحدد القواعد الأساسية لنظام الحكم وهيكلية الدولة وهو وثيقة سياسية تصاغ بشكل قواعد ملزمة تسمو على كل القواعد في الدولة .
والدستور لا يمكن فهمه بصورة صحيحة خارج إطار الواقع السياسي الذي استدعى وضعه وبالتالي استدعى تطبيقه، وأي خلل بين الممارسة السياسية والنص سيؤدي حتماً إما إلى تشويه النص وإما إلى نكران الواقع . ومثال هذا الأمر عندما يكون للنص مندرجات واقعية، كمقدمة الدستور التي تتحدث عن أن "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".
تطبيق هذا البند في مقدمة الدستور يوجب انسحاب مضمونه على كل النصوص السياسية والأوراق السياسية والأدبيات السياسية للأحزاب. بحيث يتوافر الانسجام بين المبادئ الواردة في مقدمة الدستور وكل هذه النصوص والخطابات السياسية . فلم يكن جائزاً للسيد حسن نصر الله أن يهددنا بالعودة إلى مبدأ العد أو الاستفتاء الشعبي "لا تعداد الطوائف ولا تعداد حول الخيارات" ولا أن يدعونا جبران باسيل إلى انتخاب الرئيس من قبل الشعب باستفتاء شعبي ولو على مرحلتين، لأن هذا الأمر قد أنيط بشكل حاسم وجازم بالمجلس النيابي المنبثق من الدستور ومبدأ الميثاقية المتمثل بالمناصفة (الإسلامية -المسيحية) وهو الوحيد المولج حماية الدستور بكل مندرجاته ولا سيما القاعدة الأولى التي اتفق عليها اللبنانيون في دستور الطائف وهي العيش المشترك على قاعدة "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".
وإذا رجعنا إلى الواقع النصي، نلاحظ أن عبارة العيش المشترك وردت أربع مرات في وثيقة الوفاق الوطني، التي لها قيمة دستورية.
في المرة الأولى وردت الإشارة إلى العيش المشترك بصيغة عامة وضمن المبادئ العامة التي تقوم عليها الجمهورية.
ثمَّ ورد ذكر العيش المشترك ضمن الأحكام المتعلقة باللامركزية الإدارية، فأوجبت الوثيقة إعادة النظر في التقسيم الإداري أي اللامركزية التي يطالَب بها اليوم ولا يعرفون أصلاً بأنها موجودة في دستور الطائف ولكن بما يوفر الانصهار الوطني وضمن الحفاظ على العيش المشترك ووحدة الأرض والشعب والمؤسسات.
وايضاً كان العيش المشترك حاضراً ضمن الإصلاحات المتعلقة بالسلطة القضائية، إذ كان الهدف من إنشاء المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء والمجلس الدستوري، ضمان توفير توافق بين عمل السلطتين التشريعية والتنفيذية مع مسلمات العيش المشترك وحقوق اللبنانيين الأساسية المنصوص عليها في الدستور.
ثمَّ ألزمت الوثيقة الدستورية المشترع عند وضعه قانون الانتخاب بأن يراعي القواعد التي تضمن العيش المشترك بين اللبنانيين وهذا الأمر الذي خالفه سياسيو المحاصصة والطائفيون من الطوائف من خلال قانون الانتخاب الحالي والصوت التفضيلي الطائفي فضرب العيش المشترك ولم يترك أي شيء مشترك .
وفي التطبيق العملي، كان للمجلس الدستوري تفسير مميز لمعنى العيش المشترك، فجاء في حكمه أن "الحرص على الوفاء للمبدأ الدستوري الوارد صراحة في الفقرة (ي) من مقدمة الدستور بأنه لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك، يعني أنه لا يستقيم التمثيل الشعبي أي تمثيل، في حين ظلت أوضاع تهدد صيغة هذا العيش التوافقية والميثاقية التي ارتضاها الشعب اللبناني صاحب السيادة ومصدر السلطات...".
وإذا عدنا إلى ضمانات العيش المشترك، كما هي واردة في النصوص، نلاحظ أن المجلس الدستوري هو الذي يضمن ألّا يُصدر مجلس النواب أي قانون يناقض ميثاق العيش المشترك. وأما قانون الانتخاب فيجب ان يضمن العيش المشترك تحت رقابة المجلس الدستوري، والمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء يضمن مقاضاة أي وزير يرتكب خرقاً للدستور أو يرتكب ما يناقض العيش المشترك، ومجلس شورى الدولة يتولى إبطال أعمال السلطة التنفيذية إذا خالفت المبادئ الدستورية بما فيها المبدأ المتعلق بضمان العيش المشترك.
وبسبب تعطيل أدوات مراقبة الحفاظ على العيش المشترك: المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء والمجلس الدستوري، وبسبب إجراء انتخابات نيابية وفقاً لقانون خلافاً لميثاق العيش المشترك، ثمَّ منع المجلس الدستوري من إجراء الرقابة على هذه العملية الانتخابية، ولو فعل لأبطل حكماً القانون الانتخابي واستطراداً نيابة عدد كبير من النواب، ولقلب الموازين داخل المجلس النيابي. لذلك فإنَّ أي خطاب أو توجه من فئة معينة من اللبنانيين يشعر فئة أخرى بالاستقواء أو بالاستعلاء والرغبة بالانسحاب سوف يكون لهذين الانسحاب والشعور بالغبن أثر مباشر في مقتضيات العيش المشترك، بسبب الآثار السياسية والشعبية التي سوف تنتج عنهما.
لذلك وحفاظاً على أحكام الدستور، وبخاصة المبادئ المتعلقة بالعيش المشترك، لا بد من التمسك بالدستور والصيغة اللبنانية التي كرستها قاعدة "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك ".